عاشت الأمة الآرامية بجميع طوائفها حرة أبية
  

يقول المسيح: “إنّ من أُعطي كثيرًا يُطلب منه الكثير”. لقد أعطي الموارنة كثيرًا ولذلك يُطلب منهم الكثير.

طوني نيـسي

أحد عشر بندًا حدد فيها مالك عظمة الموارنة ودورهم في الشرق ولبنان الذي أعطي لهم شعبًا وتراثاً وقيمًا. تكلم عن دور بكركي “هذا المركز الروحي الفريد في الشرق الأوسط” الذي أعطي للموارنة، وعن الطقس الليتورجي الماروني في نظر الأرثوذكس، وعن تاريخهم الموحد الذي لم يكتب لأي فئة أخرى بالدقة والتفصيل والتواصلية التاريخية العريقة غير المتقطعة، وعن صلتهم بالعالم وقدرتهم على العطاء. تكلم شارل مالك عن كل العطاءات التي منحت بركة للموارنة لكن في المقابل مطلوب منهم الكثير.

يقول المسيح: “إنّ من أُعطي كثيرًا يُطلب منه الكثير”. لقد أعطي الموارنة كثيرًا ولذلك يُطلب منهم الكثير.

-أولاً: جبل لبنان

أُعطوا، أولاً، هذا الجبل العظيم. جبل لبنان اسم من أعطر الأسماء في الكتاب المقدس وفي التاريخ. اقترن اسمه بالمجد والكرامة والشموخ والبهاء والجمال والقداسة والصمود والرائحة الزكية، وبـ “أرز الرب” الخالد. وهو اليوم استراتيجيًا من أشد الحصون مناعة في هذا المشرق، ليس لذاته وفي حدّ ذاته فحسب، بل في تدبير الشرق الأوسط الدفاعي العام. لم يُعطَ شعب في المنطقة كلها شيئًا بالطبيعة شبيهًا به، وإذا اعتبرنا أهمية هذه المنطقة اليوم في الاستراتيجية العالمية، وموقع الجبل الفريد، الشامخ من البحر مباشرة، صحَّ القول، لربما، إن شيئًا شبيهًا بهذا الجبل لم يُعطَ لقوم في العالم. إنه عطية عظيمة.

التفريط به، بأي شكل، جريمة لا تُغتفر. السؤال هو: هل يستأهل اللبنانيون، هل يستأهل الموارنة، هذه العطية العظيمة؟ هل يقدرونها حق قدرها؟ لبنان مُعطى للجميع، ولذلك كلنا جميعًا، وبالأخص الموارنة، مؤتمنون على هذا الجبل، مؤتمنون عليه كي يبقى منيعًا بأيديهم وبأيدينا كلنا، وكي يكونوا ويبقوا هم، ونكون ونبقى جميعًا جديرين بما اقترن اسمه به معنويًا في التاريخ. ”مجد لبنان أعطي له” شعارٌ يدل على أن مجدًا عظيمًا أعطيَ الموارنة، مجدًا بقدر ما يبعث على العزة والفَخار يستدعي أيضًا منتهى العِبرة والتواضع.

-ثانيًا: لبنان

أعطي الموارنة، ثانيا، لبنان شعبًا وتراثاً وقيمًا. لا يمكن فصل شعب لبنان وقيمه وتراثه عن جبل لبنان. عندما أقول إن الموارنة أعطوا لبنان بشعبه وتراثه وقيمه، لا أعني أن الفئات الأخرى بتراثها وقيمها هي ملك للموارنة. إن ما أعنيه أن الفئات جيمعًا أعطيت بعضُها لبعض بمجرد تواجدها في بلد واحد تتفاعل فيه بعضها مع بعض. بهذا المعنى لبنان، بشعبه وتراثه وقيمه، أعطي للدروز وللسنيين وللشيعة وللأرثوذكس وللكاثوليك الملكيين ولجميع الفئات الأخرى التي تتكوّن منها الأسرة اللبنانية، لكنه أعطي أيضًا للموارنة. من هنا مسؤوليتهم الهائلة تجاه الآخرين المُعطَونَ لهم. إني أستفرد هنا إعطاء لبنان للموارنة لأننا في صدد الكثير المعطى لهم، وبالتالي في صدد الكثير المطلوب منهم بالذات.

والمطلوب منهم، قبل كل شيء، بالنسبة للبنان المعطى لهم، شعبًا وتراثاً وقيمًا، أن يحرصوا الحرص كله على الحرية الشخصية الكيانية الإنسانية المسؤولة، التي وحدها تؤمن تعددية تراثاته وتفاعلها السلمي الخلاّق بعضها مع بعض. بإمكان الموارنة أن يتساهلوا في كل شيء أو يتفاوضوا حول أي شيء ما عدا هذه الحرية الشخصية الكيانية. بدونها لا وجود لهم وحتى لا معنى لوجود لبنان، حتى إن وُجد. ووجوده عندئذ كعدم وجوده تمامًا. وعندما يتساوى الوجود وعدمه، ينعدم. أما بوجود هذه الحرية، قائمة مضمونة ثابتة، فباستطاعتهم مع الزمن أن يستعيدوا كل شيء تساهلوا به أو تنازلوا عنه. أما بدونها فما يملكون، أو يظنون أنهم يملكون، سيخسرون.

-ثالثاً: مجتمع تعددي

أعطي الموارنة بلدًا مجتمعه حر، تعددي، والمسيحية فيه حرة. هذا شيء كثير، خاصة في الشرق الأوسط، ولذلك يُطلب منهم الكثير الكثير. يُطلب منهم، وهم مقدّرو الحرية الأُوَل وعاشقوها، ألا يعملوا شيئًا، أو يقبلوا بشيء، يؤول الى تقليص حرية لبنان، بل أن يعملوا كل شيء لتمتين هذه الحرية وتعميقها وجعلها أكثر أصالة ومسؤولية.

يُطلب منهم، وهم العارفون الأُوَل لخطورة الاحترام المتبادل، أن يشددوا على هذا الاحترام ويمارسوه بالفعل في صلاتهم مع جميع فئات لبنان. ممارسة هذا الاحترام الصادقة ليست أمرًا آليًا ذاتيًا طبيعيًا: إنها كمالٌ موهوبٌ من فوق. وهذا “الفوق” يعرفونه جيدًا، الذي سمعوه آلاف المرات يقول لهم: “أحبِبْ قريبك حُبَّك لنفسك”، بل “أحبُّوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسِنوا الى مُبغضيكم”.

يُطلب منهم، وهم الجسم المسيحي الحر الأُوَل في لبنان، أن يحرصوا أشد الحرص على المسيحية الحرة، ليس لهم فحسب بل لكل فئة مسيحية أخرى. المسيحيون الآخرون مسيحيون مثلهم تمامًا، ومن حقهم أن يكونوا في مسيحيتهم أحرارًا مثلهم تمامًا.

أن تكون المسيحية حرة بالفعل، لا بالإيهام والإدعاء الكاذب، في الشرق الأوسط فقط في لبنان، حرة كما هي حرة في أوروبة وأميركة تمامًا، إنّ هذا لأمرٌ في منتهى الخطورة في هذا الزمن. ليتنا ندرك مغزاه، ليتنا ندرك ما هو مطلوب منا بشأنه، ليتنا نعرف ونقدر تعجُّب أرفع النفوس في العالم لمجرد وجوده! مجرد وعيه يوحي بأن لبنان مميّز تمامًا ليس في شؤون تافهة بل في أدق الشؤون وأخطرها. إذا سقطت المسيحية الحرة في لبنان

ـ ولبنان آخر معقل لها في المشرق ـ انتهى أمرُها في الشرق الأوسط كله، بل في آسية وإفريقية. هذه مسؤولية لا أجسَم منها ولا أخطر! والموارنة هم المسؤولون الأُوَل عنها أمام العناية الإلهية. هل يعون هذه المسؤولية بالفعل؟ هل يقدرون خطورتها المتناهية؟ هل يفقهون مغزى أنها أوكلت إليهم؟

-رابعًا: مجد لبنان… لهم

أُعطيَ الموارنة بكركي. بكركي مركز روحي فريد في الشرق الأوسط. الكل يتطلعون الى قيادته وتوجيهه. باستطاعة هذا المركز الكبير جمع شمل الموارنة وأكثر من الموارنة. أثره يُلمس إذا تحرك، وقد يُلمس أكثر إذا لم يتحرك، أو إذا تحرك بما لا يتكافأ مع قدر التحدي. أما نجاعة التحرك فتتوقف على العيش على مستوى لحظة التاريخ الحاسمة. لا يكفي مجرد الحفاظ على الرعية والأعراف والتراث، لا يكفي مجرد البقاء والاستمرار. الحاسم اليوم وعيُ الحركات المصيرية الصاخبة في العالم وعيًا مسؤولاً تامًا، وتوظيفُها، أو توظيف ما أمكن منها، في سبيل التراث والبقاء.

بكركي من الأهمية بحيث إذا خرِبَ لبنان وبقيت هي سليمة معافاة قوية، ماسكة بيد من حديد بزمام دعوتها التي أُنيطت بها أزليًا، فباستطاعتها وحدها أن تعيد تعمير لبنان. أما، لا سمح الله، إذا خربت بكركي أو وَهَنت أو حلّ بها سقم ما، فلبنان وحده لا يستطيع إغاثتها كي تستعيد عافيتها وتبني ذاتها من جديد. وإذا كان لبنان خرِبًا فقد لا يستطيع أن يُعمِّر نفسه بنفسه إذا كانت بكركي أيضًا خرِبة. أي مؤسسة أخرى في لبنان يصح فيها هذا القول؟

وإذا قدرنا ماذا يعنيه لبنان تاريخيًا وعالميًا، تجلّى لنا مركز بكركي الفريد، وتِبعَتُها العظمى، في لبنان وفي العالم.

أما أسباب تفرُّد بكركي بهذا المركز العظيم فتعود الى طبيعة المارونية والموارنة، والى تاريخهم وتمركزهم في هذا الجبل، والى مجتمعهم المتلاحم المتراص، والى تنظيمهم المدني والكنسي. كل من هذه العوامل يستدعي بحثاً خاصًا مستفيضًا. بكركي مؤسسة حتم إفرازها تاريخ الموارنة، وطبيعتهم، وخبرتهم الكيانية، ومعاناتهم ومعاناة مسيحيي هذا المشرق الصاخبة المأساوية عبر الأجيال، المعاناة التي لم تستقرّ يومًا، وقد يكون قدرها أن لا تستقر أبدًا.

إذا شاءت العناية أن تمثِّل بكركي دورها المرسوم، وإذا استجابت بكركي لهذه المشيئة، فباستطاعتها أن تكون العامل الحاسم في مصير لبنان وفي مصير أكثر من لبنان. هذا الدور الحاسم يستدعي منتهى الحكمة والحزم والإقدام والتضحية والتواضع. وعلى أية حال، فإن الموارنة أعطوا بكركي، وهي شيء كثير، ولذلك يُطلب منهم ومن بكركي الكثير.

-خامسًا: التراث الآرامي

أعطي الموارنة تراثاً آراميًا سريانيًا عريقاً. يربطهم هذا التراث، تاريخيًا وثقافيًا ودينيًا، بمتبقيّات الحضارة الآرامية العظيمة في هذا المشرق، التي تشمل، بين الأحياء، الآشوريين والسريان والكلدان والنساطرة واليعاقبة وغيرهم. إنها حضارة من أهم حضارات المشرق.

الحضارة السريانية الآرامية حضارة عظيمة عريقة. تعرفها وتنقب عنها وتحترمها وتدرسها وتدرِّسها جامعات روسية وألمانية وفرنسية وبريطانية وأميركية. وهي تشكل، فوق ذلك، تراثاً لا يزال حيًا (والتراث التراث هو التراث الحي فقط، إذ ما ليس بحيّ هو، طبعًا وبكل بساطة، غير موجود) في مجتمعات حية قائمة في الشرق الأوسط ومنتشرة في العالم. مَنْ أولى من الموارنة بإحاطتها بالاحترام والتكريم والتقدير والدراسة والإحياء؟

إنها معطاة لهم. إنها حية قائمة في صُلبهم. إنهم مسؤولون عنها قبل سواهم، ليس فقط بقصد دراستها تاريخيًا نظريًا فضوليًا، كما يصنع الأوروبيون والغربيون على العموم، بل بقصد ربطهم، حياتيًا ثقافيًا روحيًا ـ وهم المجذَّرون فيها ـ بمتبقيّات هذه الحضارة في الشرق وفي الانتشار الحي لها في العالم.

-سادسًا: الليتورجيا المارونية

أعطي الموارنة طقسًا ليتورجيًا عظيمًا. لم أتعرّف على الليتورجية المارونية بشكل يمكنّني من تقديرها إلا منذ بضع سنوات، وأنا حتى الآن أفهم وأتذوّق وأوحد نفسي مع ليتورجية الذهبي الفم الأرثوذكسية وأدخل في صميمها أكبر بكثير من تذوّقي ودخولي وتوحيد نفسي مع الليتورجية المارونية، لأني وُلدت في الكنيسة الأرثوذكسية المقدسة وترعرعت في أحضانها. لكني أعتقد أني أخذت أفهم الطقس الماروني والروحانية المارونية بحيث أصبح بإمكاني إبداء رأي، ولو متحفِّظ، فيهما.

عبقرية هذا الطقس وهذه الروحانية شعبيتهما. ينبعان من الشعب ولا يهبُطان عليه من فوق. بهذه الشعبية الحميمة تتميّز الليتورجية المارونية عن الليتورجية الأرثوذكسية. في هذه الأخيرة، حين يُرنَّم القداس بأكمل وجه، تتنسّم مجد بيزنطية الأمبراطوري، أما القداس الماروني فتجسيد رائع عفويّ لقلوب الشعب ومشاعره. الشعب المؤمن الصبور، لا الأمبراطرة ولا البطاركة ولا اللاهوتيون، يمجّد المسيح. لا تشعر أنك في حضرة أي قيصر أو أي بطريرك، حتى لو كان القيصر أو البطريرك حاضرًا. تشعر أنك بين الأرامل واليتامى، بين العمال والفلاحين، بين الخطأة والتائهين، بين مساكين الروح وودعاء النفس.

هذه عظمة الطقس الماروني، شعبيته، ديمقراطيته، عفويته، بساطته، خلوُّه من أي عظمة بشرية، اشعاره نفس المتعبّد بأنها هي مبدعته وقائلته. الطقس الماروني يوحي تشبثاً واكتفاء بما أنتجه هذا الشعب وهذه التربة، كأنه يصرخ في وجه الهيلينية: أنا لست بحاجة إليك، إني ألوَّث إذا غزوتني! الطقس الماروني صرخة استقلال تام عن كل أثر ثقافي نافذ إليه من الخارج. استقلالية الموارنة السياسية الرائعة هي ذاتها تتجسد في استقلالية الطقس الماروني. الاستقلاليتان تنبعان من مصدر واحد: الاكتفائية المارونية الأصلية.

الاستقلاليتان تتعانقان وتتكاملان. هذا التعانق المتكامل بين الاستقلال السياسي والاستقلال الطقسي هو الذي مكّن فيهم عشقهم للحرية. أية فئة أخرى في لبنان، بل في هذا المشرق كله، كان بإمكانها الحفاظ على الحرية الشخصية الكيانية كما صنع الموارنة بالفعل؟ وسبب ذلك اكتفائيتهم السياسية واكتفائيتهم الطقسية، المنحدرتان من اكتفائية كيانية أصلية واحدة.

المطلوب أن يقدر الموارنة عظمة تجذر طقسهم في التراث الشعبي المحلي وقيمة هذا التجذر، أن يحافظوا عليه ويرعَوه لقيمته في حد ذاته ولأنه هو القمينُ بتمكين الموارنة من حب الاستقلال والحرية، أن يروا فيه قوة ديمقراطية هائلة نابعة من تحت، من نفوس المؤمنين، أن يوظفوا هذه القوة المعطاة في سبيل مجد المسيح والكنيسة، وأيضًا في سبيل لبنان من أجل المسيح والكنيسة، وأن يروا كيف أن المسيح ومريم باركا هذا الشعب في بساطته العظيمة البعيدة عن كل فلسفة وتفلسف، وفي تعبّده الصادق القلبي لهما، وتعلقه بهما.

هذا تنوّع الكنيسة الجامعة الواحدة العظيم، تنوّع يسمح ويُرَحِّب بكل عطاء ثقافي محلي، شرط ألا يناقض معطيات الوحي وتحديدات العقيدة. والكنيسة عرفت كيف تنقّي التراث اليوناني والتراث الماروني الأرامي السرياني من شوائب الوثنية في التراثين، وتقدمها ذبيحة طاهرة ذكية لمجد المسيح.

-سابعًا: العلاقة برومية

أعطي الموارنة هذا الارتباط الوثيق برومية. التراث المسيحي الشرقي الأرثوذكسي مفتوح للأرثوذكسية بتمام كماله، بينما المارونية، بالإضافة الى التراث السرياني الآرامي الشرقي، مفتوحة الى التراث الغربي المسيحي الروماني. المارونية ليست مفتوحة الى التراث الأرثوذكسي الشرقي انفتاحها الى التراث الروماني الغربي. رومية، بما تعنيه عالميًا وتراثيًا، خلّصت الموارنة من أي انعزالية محض محلية أو شرقية. إنه ثراء هائل، أن ترتبط الشرقية السريانية، على محدوديتها، بالغربية الرومانية بعالميتها اللامحدودة.

علاقة الموارنة برومية هي التي حفظتهم من أي انحراف عقائدي. فضل رومية على الموارنة فضل لا يُقدّر، وردهم على هذا الفضل وفاؤهم لها. رومية فتحت أمامهم آفاق الإنسان والتاريخ والعالم، وبذلك دخلوا الى حد بعيد في التراث الإنساني العالمي الواحد المتراكم. والموارنة، بفضل رومية، يعرفون العالم، زمنيًا ومكانيًا، ومخافتهم تركّز على الله والحقيقة فقط.

-ثامنًا: التاريخ الموحد

أعطي الموارنة تاريخًا موحّدًا، منفصلاً، قائمًا في حد ذاته، محدّد المعالم. لا تتمتع أي فئة أخرى في لبنان، بل لربما في أوسع من لبنان، بهذه الصفة المُعطاة. لم يُكتب تاريخ موحّد لأية فئة أخرى بالدقة والتفصيل والتواصلية التاريخية العريقة غير المتقطعة، التي كتب بها تاريخ الموارنة، وقد لا يكون بالإمكان وضع تاريخ لها بنفس الدقة والتواصلية، إذ قد يكون أن ليس لها تاريخ بنفس المعنى. ليس هذا من سبيل الصدف. تصوّر تاريخ السنّة في لبنان، أو تاريخ الشيعة، أو تاريخ الدروز، أو تاريخ الأرثوذكس، أو تاريخ الكاثوليك الملكيين. بالطبع يمكن لهذه التأريخات أن تُكتب، لكن هل تستند بالفعل الى تاريخ حقيقي؟ إن هذه التواريخ جميعًا لا يمكن تصوّرها بالوحدة والتحديد، والبعد والعراقة التاريخيين، وبالتواصلية، التي يُتصوّر بها تاريخ الموارنة.

ليس عبثاً ولا باطلاً، وليس هباءً ولا سدًى، وليس للاشيء ولا للاعلة أو سبب، أن الموارنة وُجدوا، وأنهم يتمتعون بهذا التاريخ الموحّد المتواصل الفذ لألف وخمسمئة سنة. وجود هذا التاريخ، وبالتالي وجود الموارنة ينطوي على سر. أعطوا الوجود، وهذا شيء كثير، وبالتالي يُطلب منهم الكثير. وإذا تأملت كل ما أعطوه بعد الوجود، ومع الوجود، وفوق الوجود، لخلصت الى أن ما يُطلب منهم هو كثير كثير .

-تاسعًا: العلاقة مع العرب واليهود

بسبب سريانيتهم، أعطي الموارنة، فوق إمكان ربط أنفسهم بالعالم السرياني الحي، أن يكون أقرب الناس، مزاجيًا وتراثيًا، الى العرب واليهود معًا. اللغة أهم ظاهرة حضارية، لأنها بأعمق معانيها هي الحياة، تُعيّن الجذور والأصول والتراث، تُعيّن وشائج القربى.المؤمن لا يؤمن بالصدفة والقدر، المؤمن يرى، بالإيمان، العناية وراء كل شيء وفوق كل شيء وأمام كل شيء. يؤمن بوجودها حتى في حال جهله لمشيئتها تمامًا، بل بالضبط في حال هذا الجهل. يؤمن بها ويصبر على تجلي حقيقتها. يعرف أن لكل تجلِّ وقته وزمنه. لماذا بقي الموارنة حريصين على تراثهم الآرامي؟ هل هي مجرد الصدفة التي أبقتهم؟ هل هي مجرد طبيعة الأشياء التي نفقهها بالعقل التي أبقتهم؟ هل هو مجرد قبوعهم في هذا الجبل المنيع؟ المؤمن لا يرتاح لأي من هذه التعاليل.

-عاشرًا: القدرة على العطاء

في العطاء عظيمين، أي حقل لميُعطوا فيه، أي نطاق لم يحتلوه ولم يصولوا ويجولوا في رحابه؟

من أسهم في النهضة العربية الحديثة في المئتي سنة الماضية في شتى الحقول أكثر من الموارنة؟

من اتقن اللغة العربية وعرفها في أغوار عبقريتها في العالم كله، كما اتقنها وعرفها في عهدنا أمين نخله وفؤاد افرام البستاني؟

أي شعر عربي يقرب من شعر سعيد عقل؟

أي دائرة معارف عربية تقرب، في سعتها وحريتها وعدم خوفها من قول الحقيقة عن كل شأن وفي كل باب، من دائرة معارف فؤاد افرام البستاني؟من أسهم في ترجمة روائع المؤلفات الكلاسيكية العالمية الى العربية في العالم كله أكثر من الموارنة؟

من ترجم توما ـ وتوما هو من هو ـ الى العربية غير الموارنة؟ بل من كان بمقدوره أن يفكر بترجمة توما من العالم العربي كله غير مسيحيي لبنان وخاصة الموارنة؟من عُرف في العالم العربي كله في الأدب العالمي أكثر من جبران؟

الرسامون كثر، لكن جبران وصليبا الدويهي وقيصر الجميّل يحتلون مركزًا رفيعًا خاصًا.

-حادي عشر: كنز الوصايا

يوجد مُعطًى ويوجد معطٍ. الله وحده هو المُعطي والمُعطى في آن، الله فقط هو مُعطي نفسه، أما الإنسان فلا يعطي نفسه، يعطي الإنسان من فضْل ما أعطيه. ومعطي الإنسان هو الله.

ليس أمرا تافهًا أن يُعطى الموارنة، ونُعطى جميعًا معهم:

هذا الجبل الشامخ الفريد العظيم،شعب لبنان بتراثه وقيمه،بلدًا مستقلاً، مجتمعه حر تعددي،بكركي، بكامل ما عنته وتعنيه،تراثاً آراميًا سريانيًا عريقاً،طقسًا ليتورجيًا عقائديًا وثيقاً برومية والغرب،تاريخًا خاصًا موحدًا منفصلاً قائمًا في ذاته،أن يكونوا أقرب الناس، أصلاً ومزاجًا وتراثاً، الى اليهود والعرب، وحيوية وخصبًا في العطاء فريدَين.

هذه العطايا العشر، في كل واحدة منها وفي مجموعها، تشكل كنزًا من القيم والإمكانات يكاد يكون فريدًا في العالم كله. تأملها بإنعام نظر تام يكشف عظمة التبعة الكيانية المسؤولة التي يحملها الموارنة. هذه العطايا العشر العظيمة، لم يُعطِها الموارنة لأنفسهم. إن “أبا الأنوار”، من جوده العلي، هو الذي أعطاهم إياها. حريٌّ بهم، إذن، أن “لا يتكبروا” و “يتباهو” كأنهم “لم ينالوها”.

ما أسهل التفلسف على الموارنة! مَنْ لا يتفلسف عليهم اليوم؟ مَنْ مِنْ أعداء لبنان وحرياته وقيمه لا يعاديهم ولا يحاول تسويدَ اسمهم وتفكيكهم بعضهم من بعض؟ إن هذا لفخرٌ لهم. إنه دلالة دامغة على مركزهم وأهميتهم. ومع ذلك هم صامدون. “يا جبل ما يهزّك ريح!”.

وقد يكون سهلاً كذلك تحليل ما أُعطوه. وما محاولتنا هنا، على حدودها ونقائصها، إلا أحد التحاليل الممكنة.

المهم ليس تحليلهم ولا التفلسف عليهم بل أن يتساءل اللبنانيون الآخرون، غير الموارنة:1) هل نقدر بالفعل، بلا تحيُّز ولا وراب ولا حكم مسبق، ما أعطي للموارنة حق قدره؟2) أيًا كان ما أعطيه الموارنة، فماذا أعطينا نحن؟

3) كيف نقدم أو نوظف ما أعطيناه نحن عطاء منا؟

4) كيف نسند الموارنة في ما أُعطوه وكيف نصبّ ما أعطيناه نحن مع عطائهم في سبيل الحقيقة والحرية والإنسان والقيم الأخيرة ولبنان؟

التحليل النقدي، سواء أوُجِّه الى الغير أم الى الذات، قد ينقلب الى مَرَض. أعرف أناسًا يقضون يومهم كله في النقد والتحليل والإفناء والتهديم، وليس لديهم مشروع عملي واحد يقترحونه. يتلذذون بالإفناء ولا يعرفون لذة البناء. عزلوا أنفسهم في زاوية الابتعاد عن تيارات الشعب الفاعلة. اغتربوا فكريًا وأحيانًا أيضًا مكانيًا. شاركوا في هذا الحظ الذي انتهوا إليه وهم عنه في النهاية مسؤولون. المهم أن نعيَ الإيجابيات وأن نكون إيجابيين نحن. المهم أن لا نقبع بشكل مَرَضيّ في السلبيات.

ليس أسهل من تبيان نقائص الموارنة، وهم أنفسهم في تبيانها كل يوم مسرفون.وأحيانًا أشفق عليهم في تمزيقهم لأنفسهم وانبري لتبيان إيجابياتهم وإنجازاتهم وإمكاناتهم الهائلة، وكل نقد يُقدَّم إليهم بروح إيجابية يتقبلونه شاكرين. وقادتهم ومفكروهم الكبار يعرفون أوهانهم تمامًا ومع ذلك يبقون بأنفسهم وقدراتهم وإمكاناتهم بالنسبة للبنان وقيمه الأخيرة واثقين وإليها مطمئنين. وهذه عظمتهم الكبرى.

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها