عاشت الأمة الآرامية بجميع طوائفها حرة أبية
 

 د. عماد شمعون

رئيس الجبهة الآرامية


المؤتمر الآرامي الأول في لبنان

"الآرامية حضارة ولغة وهوية وشعب"

 برعاية غبطة البطربرك مار نصرالله بطرس صفير

1-5-1997

 

كلمة المطران غريغوريوس الياس طبي

( المعاون البطريركي للسريان الكاثوليك)

خواطر في الجذور الآرامية السريانية

 


 

يقول اللاتينيّون: "التاريخ هو معلَّم الحياة"

   ويعتبر ابن العبري في بداية كتابه: "تاريخ الزمان":" أن الدعوة الى تذكر الأحداث إن كانت جيَّدة أم سيئة، تلك التي جرت كل جيل، توفَّر فائدة قيمة لكل الذين يرغبون في اكتساب ما هو جيد وتسمح باحتقار كل ما هو سيء".

من هذا المنطلق يُسعدني ويشرفني أن أعرض بمناسبة انعقاد هذا المؤتمر "الآرامية حضارة ولغة وهوية شعب" بعض الخواطر في الجذور الآرامية والسريانية استقصاءً للعبر واستجلاءً لهذا "التراث الآرامي العظيم الذي ورثه الموارنة ومسيحيّو الشرق "على حدّ قول الأب بطرس ضو.

وأولى هذه الخواطر فكرةً وملاحظة أبداها أحد اباحثين في علم الفن والاثار، يقول فيها: " إن الفن التشخيصي الآرامي عموماً والسوري خصوصاً ، مقارنة بمثله في حضارات الشعوب المجاورة، كالفرعونية والبابلية- الآشورية، يتمز بأحجامه المعتدلة وقياساته الواقعية، فلا ضخامة فيه ولا جبروت، كمثل أبي الهول أو الثورالمجنح وغيرهما، الأمر الذي يعكس نظرة واقعية في الإنسان والكون، يتمثل الإنسان فيها سيداً بدل أن تسحقه هذه المجسَّمات الطاغية بأحجامها". 

أن الفكرة جديرة بالبحث والاهتمام، وتقودنا الى استكشاف علم الإنسان الارامي، كما إنها توضح جوانب كثيرة عن بيئة الكتاب المقدس. فبغض النظر عن عنصر الوحي الإلهي، إن قصّة الخلق بشكلها الآرامي مقارنةً بأشكالها عند الشعوب البابلية-الآشورية أو دراسة بيئة إبراهيم الخليل الارامي، قد تُضفي أنواراً ساطعة عن الواقعية والروح الإنسانية المعتدلة الثوب الآرامية، كما وعن استعداد هذه الشعوب لتقبل فكرة الوحي الإلهي بالتوحيد. فالنعمة لا تلغي الطبيعة بل تكملها.

ومن هذا المنطلق، قد نستطيع أن نفهم لماذا يفضل ابراهيم الموحّد اختيار زوجاتٍ لأبنائه من الشعب الآرامي الذي لم يلتحق بعد بإيمانه الجديد. أو غضب الله من عبده داود إذ أقام له بيتاً ومسكناً فيه عظمة الحكام المتجبرين.

نستخلص من ذلك أن الذهنية الآرامية، بالرغم من وثنيتها، كانت أقرب ما تكون من ذهنية الكتاب المقدّس بنظرتها الى الإنسان ومكانه من الكون، أو هي الحلقة الوسطى بين الوثنية والتوحيد، بكل ما في التوحيد من مزايا إنسان، يعكسها الكتاب المقدّس ولم تكن بعيدة عن طباع الآرامي واستعداده النفسي. 

وبمجيء السيد المسيح تكتمل الحلقات. ونندهش بأية سرعة وسهولة انتشرت المسيحية في بلاد آرام. فلا شك أنها لا قت تجاوباً طبيعياً في نفوس هذه الشعوب. ولم يرَ الآرامي غضاضةً أن يدُعى سريانياً نسبةً الى البلاد التي خرجت منها هذه الدعوة الإنسانية الجديدة.

 أن سرّ القوّة والضعف في الشعوب الآرامية- السريانية ربما مردّه المنحى الإنساني المسيحي. فلا عجب أن تكون نهاية استقلال الدويلات الآرامية السياسي بداية إنطلاقة انتشارهم الروحي والثقافي في الشعوب الغالبة، لاسيما منذ انتشار المسيحيّة.

لم يستقوِ الآراميون على الشعوب الأخرى إلاً نادراً، وباستشناء مملكة الرُها لم يؤسس السريان حكماً.

 إن المؤرخ السرياني الأخير، ابن العبري عبّر عن لسان حال السريان التوم، فيرى أن التاريخ لم يخلق للشعوب السريانية إلاّ المآسي فلم يبقَ لهم اليوم إلاّ التساؤل عن معنى هذه المآسي، أهي عقاب الله؟

مع ابن العبري، لا ننفي دور العناية الإلهية ولكننا لا نُلغي من الحساب العوامل البشرية. فبعضها متجذرة في طبيعة الشعوب السريانية ، والبعض الآخر انسابت اليها مع اللاهوت السياسي، فلا خلص الدّين ولا صفت الهوية.

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها