عاشت الأمة الآرامية بجميع طوائفها حرة أبية
  

قراءة سريانية آرامية  للقرآن

محاولة فكّ رموز القرآن

يمثّل صدور كتاب جديد للمفكّر الألماني كريستوف لكسنبرغ زاوية نظر جديدة في غاية الأهمية في مجال الدراسات القرآنية. أريد من خلال هذا النص إعطاء نبذة موجزة عن أطروحة الكتاب الذي كتب بالألمانية وترجم إلى الإنجليزية. ولا توجد له حتى اليوم ترجمة فرنسية ولا عربية، وربما يعود ذلك لجرأة أطروحة المؤلّف واغتنائه عن الأسلوب "الكرتوازي" الذي يميّز أسلوب المستشرقين الفرنسيين.

يتقن لكسنبرغ اللغة السريانية والعربية مستعملا علم الفيلولوجيا كأداة قراءة وموزع تفكير. ظهر علم الفيلولوجيا في أوروبا زمن التنوير عندما تمّ استعماله في إعادة قراءة النصوص الإغريقية واللاتينية ثمّ صار يشمل فيما بعد كلّ النصوص في مختلف اللغات الحديثة، عالمة كانت أو عامّية. تمّ تحليل الإنجيل في نسخه القديمة والحديثة تحليلا فيلولوجيّا باعتبار الفروقات اللفظية المختلفة الموجودة في النسخ القديمة وبالاعتماد على الشهادات.

ان المسافة الزمنية الفاصلة بين الفترة التاريخية التي أنزل فيها القرآن وفترة الكتابة والنسخ، 200عام تحوّل فيها حال العرب بفعل الإسلام ،وكاتّحاد القبائل العربية والتغيّر الجذريّ من "حال الرمل والقمل"، كما يقال، إلى حال الرفاهية، وشمل هذا التغيّر الشرق الأقصى وحوض المتوسط والفرس والعجم. لم يهتمّ المسلمون بماضيهم إلا 200 سنة بعد التنزيل. كلّ هذه التغيرات السياسية الاجتماعية أبعدت المسلمين عن الماضي الذي في خضمّه نزل القرآن. لم يكن النحويون والمفسّرون من عرب الحجاز بل كانوا فرسا يعيشون ببغداد وليست لديهم فكرة موضوعية على حال المجتمع ومسالك عرب ما قبل الإسلام، ولم تكن لهم معرفة بلغات سامية غير لغة القرآن. وتفسيرهم -الذي يتواصل إلى يومنا هذا- مبنيّ على جهلهم للمحيط الفكري والاجتماعي الذي أنزل فيه القرآن. فهناك سؤال مثلا يبقى قائما: هل فهم عرب الحجاز لغة القرآن كما فهمها فرس بغداد؟ المصادر الإسلامية القديمة التي تشير إلى تاريخ بدء الإسلام لا تتجاوز القرنين في حين أنّ مصادر غير إسلامية تعطينا نظرة مختلفة عمّا زُعم أنّه حال عرب ما قبل الإسلام. بعض هذه المصادر موجودة حاليا وقد جمعت في مجلّد. Robert G. Hoyland, Seeing Islam As Others Saw It. A Survey and Evaluation of Christian, Jewish and Zoroastrian Writting On Early Islam, Princeton, The Darwin Press, 1977, XVIII-872p.

وقد اعتمد الكاتب الفيلولوجيا أداةً لقراءة مقاطع غامضة من القرآن بغضّ النظر عمّا قدّمه المفسّرون في هذا المجال، وهذا لا يعني أنّه يتجاهلهم، بل بالعكس فهو يعود إليهم بعد أن يتّخذ اتّجاها معاكسا . السؤال المحرّك لأبحاثه يبقى "بأيّ لغة كتب القرآن؟ باللغة العربية حتما، ولكن أيّة عربية؟ النقاش في هذه المسألة قديم، هل هي لغة التخاطب في مكّة؟ لغة الشعر؟ لغة القرآن عند كرستوف لكسنبرغ ليست العربية الرسمية كما ظهرت في ما بعد مع النحويين، بل هي لغة مركّبة نتاج اختلاط العربية والسريانية كانت تمثّل لغة الثقافة بمكّة/ مكة مثلا تعني حرفيا بالسريانية : المدينة السفلى. خطأ المفسّرين يكمن في محاولتهم الانطلاق من النص القرآني كنموذج خالص للغة العربية، في حين أن هذه المصطلحات ليست بعربية معقدة بل سريانية بسيطة وسهلة الفهم. ويعتبر الكاتب أطروحته امتدادا فكريّا لمستشرق سبق له أن جلب الانتباه إلى وجود مقاطع سريانية ارامية في القرآن وهو ألفونسو منغانا. Alphonse Mingana

Mingana A., Syriac influence on the style of the Kur’an, Bulletin of the John Rylands Library, 2, 1927, p.77-98

تضمّنت طريقة الترجمة مراحل متعدّدة لا يمكن المرور من مرحلة إلى أخرى إلا إذا عجزت سابقتها عن فهم المعنى المقصود في النص القرآني : فأمام غموض المصطلح يدعو الكاتب إلى : 1- الرجوع إلى المفسّرين المسلمين (الطبري مثلا)، والتثبت فيما إذا وجدت مفاهيم لم تؤخذ بعين الاعتبار. 2- التثبت في المعاجم العربية الكلاسيكية إن كانت هناك مفاهيم لم تؤخذ بعين الاعتبار 3- البحث عن جذور سريانيه أرامية موازية في نطقها للجذر العربي ومختلفة من حيث المعنى المقصود. 4 - قراءة المخطوطات في النصّ القرآني دون الأخذ بعين الاعتبار للنقط ودون الخروج عن نطاق الجذر العربي. 5- تطبيق الطريقة في نطاق الجذر السرياني الآرامي. 6- إعادة ترجمة العربية إلى السرياني الآرامي والبحث عن المعنى المقصود. 7- البحث عن معاني مجهولة في اللغة العربية في المعجم السرياني الآرامي(القرن الحادي عشر). 8- التثبت فيما إذا نسخ اللفظ العربي على نفس شكل السرياني الآرامي

النتيجة: أنّ تطبيق هذا المنهج يعطي للنص القرآني معنى أكثر إقناعا. إذ تبدو الجمل للقارئ أكثر سلاسة وبعيدة عن التناقض. ما تخسره الكلمات من شحنة القداسة تربحه في وضوح المعنى، وأريد أن أعطي بعض الأمثلة دون الدخول في المراحل التي مرّ بها الكاتب حتى يقف على معنى دون الآخر. ففي كتابه الصادر مؤخرا 2007 :"النزاع حول القرآن : حوار لكسنبرغ مواقف وخلافات"، يسلّط لكسنبرغ الضوء على مقطع يشرّع الحجاب الإسلامي، وهو محلّ نزاع سياسيّ واجتماعي في ألمانيا وأوروبا. قراءة فيلولوجية للنص من شأنها إعطاء مفاهيم جديدة وموضوعية للجدل : يعود المشرّعون الإسلاميون إلى سورة النور الآية٣١ "وليضربن بخمورهن على جيوبهن"، ويرون فيها دعوة واضحة إلى فرض الحجاب الإسلامي على النساء المسلمات. لنبدء بتحليل كلمة "خمورهنّ" في كتابه "التفسير" يطرح الطبري المعنى : "خمورهن من المفرد "خمر" كلّ ما يكسو شعر، عنق وأذني المرأة" هذا التفسير لا علاقة له بالمعنى الأصلي للجذع "خمر" . الجذع "خمر" يعني بالآرامي "تخمّر (العجين) الخمر(الشراب) (يعود لكسنبرغ الى Siegmund Fraenkel, Die aramäischen Fremdwörter im Arabischen, Leiden 1886) يشير المعجم الآرامي أنّ الكلمة باللغة العربية تعني "غطّى" ستر"، وفي "لسان العرب" يعود المعنى إلى الآرامي "العجين جعل فيه الخميرة"، الخمر شربه، "غطّى، ستر"، يشير هنا ابن منظور إلى حديث منسوب للرسول: خمروا آنيتكم "أي غطّوها"، كلّ ما يغطّى هو مخمّر. مقصد الحديث أنّ الخمار هو ما يغطّي الإناء حتى يسرع عملية التخمير(عجين، شراب الخ) إذا كان الخمار خرقة من القماش يغطّى به الإناء، فكيف انزلق المعنى إلى الحجاب النسائي؟ بالنسبة للآية 219 من سورة البقرة يعود الطبري للمعنى المتداول لخمر: كل ما يخمر محرّم لأنّ الخمر "يحجب" العقل. فمعنى الخمار حجاب، وهذا التفسير لا صحّة له. وفاء المترجمين لمفسّري القرآن ساقهم إلى هذا الخطأ اللغوي. أمّا إذا قرأنا "جمورهن" مكان "خمورهنّ" فعندها يستوي المعنى المقصود.

يعود هنا لكسنبرغ إلى الأدب الآرامي السرياني ما بين ألقرن الرابع والسابع ميلادي (فترة زاهرة)، ليشير إلى استعمال الجذع "كمر"، وحرف الـ "ك" يحلّ أحيانا مكان "ج" كما هو سائد في الدارجة عند بعض البدو ويعني"حزم"، من هنا اشتقّ "كمر" كمرة "كمارة"(حزم’ حزمة’ حزام") هذه الكلمة موجودة حتى الآن ومتداولة عند بعض عرب الشرق الأوسط. بالآرامي يقال ڨمر بمعنى حزم، أحاط، أدار / كمر بمعنى حزم، العشب أو الحزام. النتيجة بالآرامية: جمار، كمار، ڨمار مفارقات صوتية لمعنى متشارك: حزام. من هنا يسوق المصطلح القرآني "جمور وليس خمور".

سنضع الآن الآية القرآنية أمامنا ونعيد القراءة: "وليضربن بجمورهنّ على جيوبهنّ" : كلمة "ضرب" تؤكّد معنى الحزام، لأن العرب تقول "شدّ الأحزمة وضرب الأحزمة" على الجيوب أي على الوسط. وليس كما زعم تغطية الرأس وأعلى الجسد، الرقبة، الخ…

من أين تأتي الإشارة الرمزية إلى الأحزمة في حين أنها لا تخصّ تقاليد إسلامية مضبوطة؟ الرجوع إلى التفسير التاريخي من شأنه توضيح الرمز. يعود الرمز إلى الزهّاد والرهبان. وهناك إشارة في "اللسان" إلى أنّ الرسول محمّد فرض على الرجال لبس الأحزمة عند الصلاة ثم منعهم من ذلك في ما بعد. ودون الدخول في مراحل البحث أشير هنا إلى مصطلح آخر : "حوريات الجنّة"، تعني "عنب أبيض"( اقرأ: روجناهم حوريات وليس زوجناهم حوريات).

المرجع اليهودي المسيحي للقرآن:

ما هي مراجع القرآن؟ سؤال يعود إليه الكاتب بعد العبور باللغة السريانية الآرامية ليقدّم جوابا تفرضه الترجمة: القرآن يعني حرفيا "مجمع فصول" Lektinaire, Lectionnaire بحيث هو مقاطع مختارة من الكتب المقدسة التي سبق أن ترجمت إلى اللغة العامية "القرشية" (لغة مركّبة نتاج اختلاط العربية والسريانية) لتقرأ بلغة مفهومة. لكسنبرغ يستند إلى سورة يوسف: تلك آيات الكتاب المبين (أي تلك آيات الكتابة مبينة) إنّا أنزلناه قرآنا عربيا لعلّكم تعقلون (أي تفهمون لكسنبرغ، ص 80) /في سورة فصلت : (تنزيل من الرحمان الرحيم1 كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون2) لكسنبرغ يقرأ : "كتابة ترجمت في مفاصل عربية": "إنّ علينا جمعه وقرآنه17فإذا قرأته فاتبع قرآنه18ثم إنّ علينا بيانه19"(القيامة).

سأكتفي هنا بذكر أهمّ ما جاء به لكسنبرغ في أطروحة شيقة، وكتابة في بعض الأحيان عسيرة الفهم لطول الجمل وكثافة الأفكار. يقول الكاتب في حواره مع "كرستوف برغمر" إنّه يخشى استعمال أبحاثه من قبل أهل السياسة والإعلام، وأنّ القصد الأوّل هو البحث الموضوعيّ في النصوص القرآنية. أمّا مشروع دار النشر فإنه يسير في منهج مخالف، أعني تبسيط الأطروحة حتى تصل أكبر عدد ممكن والتعريف بها خارج حدود ألمانيا.

ترجمة : سهام جقيريم وكرستوف كلار

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها