عاشت الأمة الآرامية بجميع طوائفها حرة أبية
  

المارونية ليست طائفة بل نهج حضاري

لامين منصور عازار

رسالة مفتوحة إلى البطريرك مار بشارة بطرس الراعي

المارونية انبثاق تقدمي من أصول آرامية سريانية وثيقة الاتصال بالنهج البولُسي نسبة الى بولس الرسول ـ، ذلك النهج الرامي الى تحرير المسيحية من رواسب اليهودية التي علقت في تقاليد بعض المسيحيين المتوارثة.

ومنذ نشوئها ذاك، في خارج لبنان، حتى امتدادها الى هذه الجبال، وما اليها من سواحل وسهول، لم تكن طائفة دينية وحسب، بل كانت حركة حياة متطورة.

كانت مصدر تراث حضاري، وينبوع فكر معطاء في حقول الفلسفة والأدب والفن والعمران ومختلف القيم الانسانية.

لم تكن في تاريخها قط جماعة اعتزال، بل كانت تياراً يرفض الفتوح الغريبة، ويناضل على أسس حرية فكرية واضحة ما اتسمت يوماً بالغموض، ولا بالانكماش، ولا بالخوف.

والى جانب نهجها الفكري والروحي هذا، كانت نواة خير وعمران، فصروحها الشامخة على الروابي والمنتشرة على المنحدرات والسفوح لم تكن أدياراً بقدر ما كانت خلايا نشاط، ومدارس، وحصون وأقطاب تجمع حولها الموارنة، وبنوا في ظلها القرى، وراحوا يجعلون من الصخور حقولاً، وكروماً وبساتين تفيض بالبركات وتزخر بالمواسم.

انها أغنت هذه الجبال، وملأت سكانها ثقة بالنفس، كما أغنت سواها، وكانت مثالاً في الصمود، وتقديس العمل، ومتابعة النضال، ما جعلها اكبر بكثير من ان تنحصر في رابطة او جمعية، ومن ان تتقوقع في وظيفة او مجموعة وظائف، ومن ان تدور على محور محدود من الشخصيات السياسية والدينية.

انها تخطت تخوم الجنسيات فأصبحت حركة عالمية. انها عطاء كالحرف، كالشراع، كالفكر المعبر عن الحق والعدالة، كالجمال قولاً وكتابة ونقشاً ونحتاً وتصويراً.

اذا كانت اكثرية الموارنة من اللبنانيين، فليست المارونية لبنانية، ولا شيئاً آخر غير لبناني، لأنها بتراثها الحضاري، كونية كمختلف الحركات البناءة في العالم.

واذا كانت للموارنة امتيازات معينة في الدولة اللبنانية فهذا لا يعني ان هذه الدولة هي نطاق المارونية، وقالبها الوحيد، وقوقعتها العازلة.

كثيرون من الموارنة يعتبرون مارونيتهم بلا حدود ولا قيود.

والوطن اللبناني نفسه ـ وهو مركزها الافضل ـ يجب ان يكون منطلقاً لنشاطها الانساني، لا برجاً عاجياً تنحصر فيه الى ما شاء الله.

لم تكن المارونية انطاكية فحسب يوم انطلقت من ضفاف العاصي الى هذه الجبال، ولا هي اليوم لبنانية وحسب بعد استقرارها الطويل في لبنان.

فمجرد انطلاق عطائها يجعله عالمياً ومحرراً من كل مفهوم اقليمي.

هذه هي المارونية التي نؤمن بها.

اما المارونيات الاخرى التي جعلها بعضهم منصّة الى المناصب، او معراج تصعيد الى الوجاهة، أو وسيلة سهلة لمكاسب... فليست منا، ولسنا منها.

المارونية ليست طائفة بقدر ما هي نهج حضاري، وتيار فكري، وخط انساني، يتجاوز الطقوس، والاعتبارات السياسية والاقليمية.

ان للمارونية معنى اوسع بكثير، وأعمق بكثير من المعنى الطائفي الضيق الذي يحاول حصرها فيه بعض السياسيين والدارسين والمعلقين.

ان لها وجهاً انسانياً، ومفهوماً حضارياً يتجاوزان تخوم الجنسيات، وحدود الكيانات السياسية، لأنها أثبتت، منذ نشوئها، عبر مراحل استمرارها، انها حركة حياة متطورة، تحمل في تطورها المتصاعد $مبلغاً مرموقاً# من التراث، ورصيداً محترماً من القيم.

مسيحيتنا تيار حافل بكنوز الفكر، والمعرفة، والشعور النبيل، والتنشئة المثالية، سار بالعقيدة في بقعة انطاكية، والرها، والقدس، ووادي العاصي، وأودية لبنان وشوامخه، ثم اطلقها، وانطلق معها الى رحاب العالم.

هكذا نرى مارونيتنا كمسيحيتنا.

هكذا نحسها في قرارات النفوس وفي اعماق الوجدان.

هكذا هي تفاعل حضاري عالمي، شامل، يجمع ولا يفرق، يحب ولا يحقد، وأولى ميزاته:

العطاء ان عظمة انطاكيتنا المارونية وقيمة رسالتها في انها سبقت ولم تسبق، اعطت ولم تأخذ. فيها تمركز الايمان ثم انطلق تياراً حضارياً محيياً الى الغرب.

فللمسيحية، في ارضنا، كما للمارونية، جذور عميقة، أصيلة، من واجبنا ان نأخذها بعين الاعتبار، بل ان نرفع حسناتها واضحة، متجلية، وخصوصاً لأنها افرخت، وأثمرت، ولا تزال تثمر على أرفع المستويات الفكرية والحضارية. كما انها ملتزمة التزاماً كلياً بالمنطقة التي نشأت فيها، وهذا الالتزام كان مدار صراع عبر الاجيال في وجه سائر الذين حاولوا تسخير او تزوير هذه الشخصية الحضارية.

ولئن افسحت سلطة البابا الروحية في المجال لتدخل اوروبا، زمن ضعفنا وانحطاطنا، هادفة الى الغاء هذه الشخصية الحضارية الاصيلة، فان ردود فعل كثيرة بدرت من الموارنة، في مختلف المراحل، هدفها التصدي لتيار الليتنة ولكل منحى يرمي الى ازالة هذه الشخصية الروحية والخلقية المتصلة بجذور حضارتنا.

من هنا فالمارونية جزء لا يتجزأ من السريانية، وليست المارونية هي الاصل والسريانية هي الفرع، بل بالعكس: السريانية هي الاصل، والمارونية هي الفرع، هي الظاهرة، وأعني ظاهرة حياة، وليس مضمون حياة.. ذلك ان المضمون الحياتي للمارونية، هو مضمون حضاري، يتصل بكل حضارة المنطقة المشرقية(...).

من جائز القول، اذاً، ان الذين حاولوا ان يجعلوا من المارونية شأناً دخيلاً على بلادنا، او مصطنعاً، او مغرّباً؛ انما يسيئون اليها فحسب.. ولا يخفى ان اجيالاً عدة اساءت الى هذا المفهوم العميق، مفهوم الاستمرارية الحضارية.

وفي العودة الى الاصول، نقول:

 ان بكركي تساوي، في اصولنا الحقيقية، روما بكل ما في هذا المفهوم من معنى وعمق.. من هنا تصب التنازلات على المستوى الديني والفكري الى روما وغيرها.. فلا ضَيْرَ في القول: ان الفلسفات الدينية، برمتها، وُجِدَتْ في منطقتنا مع رموزها.. فحريٌ بهؤلاء الغربيين ان يأخذوا العلم منّا لا العكس.

وينبغي القول كجيل مسؤول:

 أن كلَّ مَنْ يريد اخراج المارونية من منطقة نشأتها وامتدادها الطبيعي، انما هو يعمل ضد التاريخ وضد الحقيقة.. وكل مَنْ يريد ان يجعل من المارونية في المنطقة سياسة انعزال وضعف واستسلام، انما يضرّ بطبيعة نشأتها؛ ذلك ان المارونية نشأت طائفة صراع مع الارض، ومع الطبيعة، ومع السماء.. اذا جاز القول: لقد قاتلت الارض فاستنبتت فيها العمران والحضارة؛ وقارعت السماء بأفكار لاهوتييها إثباتاً لعقيدة التجسّد، وبتضحيات أبرارها انتزاعاً للاعتراف بحق قداستهم.

هكذا يظهر بوضوح، ان المارونية شأن حضاري انساني، لا شأن سياسي كياني... ولا ينبغي ان يغيب عن الذهن انها ذات جذور وأصول يصعب التخلي عنها، مع الحرص على امتدادات تلك الجذور وهاتيك الأصول

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها