عاشت الأمة الآرامية بجميع طوائفها حرة أبية

فارس خشّان

 تعريف: فارس خشّان كاتب ومحلل سياسي لبناني

 


رؤوس تحت مقصلة الثورة

 الخميس, 15 مارس 2012

لا أكاد أصدّق أن سنة كاملة مرّت على انطلاقة الثورة في سورية.

أشعر أنها بدأت، يوم أمس.

أشعر أن كل شهدائها أحياء يرزقون، وكل جرحاها أبطال معافون، و كل نازحيها متظاهرون يهتفون، وكل مجازرها حفلات رقص، وكل بناتها المغتصبات، يتغندرن في عرس العذراوات !

أشعر أنني بالأمس بدأتُ المتابعة والمراقبة والإتصالات والجدال حول ديمومتها وحول طريقة تعاطينا معها.

سنة مرّت، وكأنها لم تبدأ. كأنها جنين في رحم لم نبدأ بعد بتعداد أيامه وسنواته.

سنة مرّت، قدّمت لنا ، نحن المشاركون فيها، بالنية وبالمعنى وبالكلمة وبالممكن وبالحلم وبالدعاء وبالدموع وبالإبتسامات المكسّرة، أدلة لقليلي الإيمان، حتى نضطر بعضهم الى نبذ التواطؤ علينا مع نظام يرقص مع الشيطان، وإلى إسقاط الأقنعة المزيّفة بالقداسة والوطنية، بعضهم الآخر، فتنفضح وجوههم وتظهر أفواههم الشرهة الى الدماء.

نحن لم نكن نحتاج هذه السنة، لنعرف أن بشار الأسد مجرم بثياب عصرية، مخبول هارب من "السرايا الصفراء"، ويرأس نظاما يرتكز إلى مافيا ومجرمين وسفاحين وكل ما نزل على الأرض من صفات الدناءة والإحتقار... هم كانوا بحاجة حتى يضطروا الى وقف تآمرهم أو الى انكشاف أمرهم.

سنة مرّت، على تكوّن أول ثورة حقيقية في الربيع العربي.

فيها، تكوّنت ثقافة شرق أوسطية جديدة، أين منها تلك الثقافة التي أورثتها لأوروبا الثورة الفرنسية.

ثقافة، أسقطت مؤسسات دينية، طالما أسكتتنا معادلة الجمود، عن انحرافاتها وفسادها وعقمها وإبعادنا عن الله!

ثقافة، دفعتنا الى أن نتواصل مع الله من خلال آلام السوريين، لا من خلال مفتّ ينخره الفساد، ولا من خلال بطريرك تحرقه الشهوات، ولا من خلال شيوخ عقل يتعفّنون في خدمات المخابرات، ولا من خلال أئمة حوّلت التبعية قلوبهم الى جلمود صخر!

ثقافة، جعلت الجميع يدرك أن المقاومة، لا يمكن أن تكون بأمان بيد "حزب الله" وربيبته إيران، بل يجب تحريرها منهم، لأنها مجرد قناع لبسط السيطرة على البلاد وعلى العباد، على الحرية وعلى الحقوق.

ثقافة أسقطت آخر ورقة توت عن عورات ميشال عون، الذي خاض حربا مع سورية من أجل حجز موقع سياسي شخصي له، وها هو يمرمغ شرفه على أبوابها، لعلّ وعسى !

ثقافة، جعلت المتحالف مع أصولية دموية وتكفيرية وقاتلة، كما هي عليه حال "حزب الله"، يخيفنا من سلفية إسلامية، ليبرر وقوفه الى جانب ديكتاتور وقاتل وسارق !

سنة من عمر الثورة السورية، عصفت حياتنا بثورة شاملة.

قربت الشعب العربي من الشعب السوري. وحدت الأحرار على امتداد العالم. حفرت ثقافة في وجدان عربي كان تائها.

حاجر الخوف الذي انكسر في سورية كسّر كل حواجز الخوف الإفتراضية، في كل مكان. جعل القاعدة المقهورة تتجرأ على قيادتها التائهة.

قبل الثورة السورية، لم نكن نفهم معنى الشجاعة المجردة. معها بدأنا نفهم. قبلها لم نكن نعرف عمليا قيمة الحرية. معها بدأنا نعرف. قبلها كنا نصغي كثيرا للتنظير.معها بدأنا نهتم بالأفعال. قبلها كان الرياء يأخذ عقولنا. معها سقط الخبثاء. قبلها كنا نقدم للجبناء أعذارا محلّة. معها بتنا نرجمهم.

قبل الثورة السورية، كانت ارادة الشعوب رواية نقرأها أو فيلما نشاهده، او حتّوتة ننام عليها. مع الثورة السورية، أصبحنا نكتب الرواية ونخرج الفيلم ونستيقظ على أسطورة.

سنة مرّت. مفاهيم كثيرة تغيّرت.

سنة مرّت، ولكن الثورة بالكاد بدأت.

الثورات لا تعرف أعمارا وحدودا. هي تجرف أنظمة ومقامات وعقليات. هي نار يبقى لهيبها مشتعلا، حتى تنظّف أرضها من كل الأدران.

الثورات لا تتوقف بتحقيق أهدافها المعلنة، فلها أهداف جديدة تتكوّن مع صرخة كل طفل، وعويل كل ثكلى، وخروج روح كل شهيد، ونجاة كل بطل.

الثورات تبدأ حتى تستمر.

نتائجها لا تخيف إلا المحنطة أجسادهم والميتة أرواحهم.

الثورات تتفاعل، حتى تجسد كل الأحلام.

ليس مثل الثورة السورية ثورة في العالم العربي. ثورة لبنان التي انطفأت ، وهي في مهدها، ثمة من يدفعها الى أن تعيش مجددا. ثورة تونس، فيها الكثير من اللعبة المخابراتية الداخلية التي سارعت الى استيعابها. ثورة مصر كذلك. ثورة ليبيا كان بترولها أهم من شعبها. ثورة البحرين، على أحقية مطالب إصلاحية مرفوعة، تبقى مجرد لعبة إيرانية.

وحدها الثورة السورية ..ثورة.

وحدها ثورة أثمانها باهظة وأحلامها ماسية.

وحدها ثورة تستقطب القلم والقلب والعقل.

وحدها ثورة ، تبدو حربا بين شياطين وبين عبدة الله.

وحدها ثورة ترسخ ثقافة جرف الموبقات والأقنعة.

ثورة ستغيّر معنى الجامع والكنيسة والحسينية والخلوة.

وحدها الثورة السورية تحمل فيروس الشجاعة... المعدي !

سنة جديدة تطل...

سنة لن تكون كغيرها...

سنة ستزيل كثيرين قبل أن تزيل بشار الأسد...

ستزيل في طريقها الى الديكتاتور الكبير ديكتاتوريات صغيرة كثيرة...

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها