عاشت الأمة الآرامية بجميع طوائفها حرة أبية

فارس خشّان

 تعريف: فارس خشّان كاتب ومحلل سياسي لبناني

 


فارس خشّاناقرأ المزيد...

 

 

 

فارس خشّان


بشار الأسد والمؤامرة

الاثنين, 03 أكتوبر 2011

منذ اندلعت الثورة في سورية، لا يكف الرئيس بشار الأسد وأتباعه وداعموه، عن رفع لواء المؤامرة، إعتقادا منه ومنهم، بأن هذه المقولة كافية لتبرير القمع والقتل والإعتقال وإبقاء البلاد والعباد تحت رحمة ... اللا رحمة !

والطامة الكبرى، أن هناك من يريد أن يُصدّق أن ثمة مؤامرة على النظام السوري، مقدمين لذلك تبريرات تتمحور كلها حول إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، على اعتبار أن الأسد بنظامه الحالي، هو نظام مقاوم وممانع، ولا بد من التخلّص منه !

لن ننازع في توصيف موقع النظام السوري من تل أبيب وواشنطن، بل سنفترض صحة ما يقول به الأسد ومريدوه، ونذهب الى مناقشة ظواهر أخرى!

نعود الى بداية الربيع العربي!

يسلّم الجميع بأن النظام التونسي برئاسة زين العابدين بن علي، لم يكن نظاما ممانعا ومقاوما، بل كان حليفا للغرب وتاليا – وفق أدبيات المقاومين- لإسرائيل.

وعلى الرغم من ذلك، فإنه عندما أقدم البوعزيزي على إحراق نفسه ، واندلعت التظاهرات المطالبة بإسقاط النظام، إصطف الغرب- كل الغرب- خلف المتظاهرين، وسارعت القوى الكبرى الى مطالبة بن علي بالرحيل، ولم تكن الدماء قد غطت بعد البلاد من أقصاها الى أقصاها!

والجميع أيضا يسلّم بأن النظام المصري برئاسة حسني مبارك، لم يكن نظاما ممانعا ومقاوما، بل كان حليفا للغرب و"صديقا" لإسرائيل، ومع ذلك، وقبل أن يصل عدد شهداء الثورة الى 500 قتيل، وقفت الولايات المتحدة الأميركية ومعها كل الغرب، تنادي بوجوب رحيل حسني مبارك!

ويدرك الجميع أن السنوات الأخيرة من عمر النظام الليبي، شهدت تطورا كبيرا في علاقة معمر القذافي مع الغرب. وقد تخلّى القذافي عن سلوكياته المعادية لإسرائيل، لا بل قرر أن يترك العرب لحالهم ويندمج في إفريقيا. ومع ذلك، ولم يكن قد انقضى شهر واحد على اندلاع الثورة في بلاده، حتى تكاتفت الدول الكبرى بعضها مع بعض، على الرغم من المعارضة الروسية، وقررت مساعدة الثوار عسكريا لإسقاطه، فزودت هؤلاء بالسلاح والمال ووفرت لهم غطاء جويا فاعلا، مما قضى على عناصر القوة لدى الموالين للزعيم الليبي!

وهنا نصل الى سوريا، ففي الرابع عشر من آذار 2011، كان بشار الأسد يتربع على عرش الصحافة الدولية، حيث يوزع علامات على هذا النظام وذاك، معربا عن ثقته برضى شعبه عنه وعن نظامه، وكان قادرا على رفع سماعته ليتحدث الى من يريد من زعماء العالم، وكان لديه ما يكفي من وقت ليتآمر على قوى الرابع عشر من آذار في لبنان ، وليعاقب الرئيس سعد الحريري، بسبب"الممانعة" في موضوع المحكمة الخاصة بلبنان، وليختار صديقه نجيب ميقاتي رئيسا لمجلس الوزراء، بعدما وفّر الحصانة اللازمة لـ"حزب الله" من أجل تهديد "التائب" وليد جنبلاط!

في ذاك اليوم، كان المتحركون في عواصم القرار كلّها، يسمعون مواقف حاسمة لمصلحة بشار الأسد، فالرجل خط أحمر، ودوره ريادي ، وتل أبيب تعتبر وجوده مصلحة استراتيجية لأمنها، والسعي الأساسي لدى الأسد أن يستعيد شيئا من إستقلاليته حيال إيران!

كان بشار الأسد يهتم، في 14 آذار 2011 بأمور كثيرة إلا بشعبه المتروكة شؤونه وشجونه لضباط الأمن، الذين احترفوا إخضاعه بإذلاله!

في ظل هذه الثوابت السياسية التي لا نقاش في صحتها، كان الخامس عشر من آذار 2011، حين اقتدى بعض الصبية السوريين بما يشاهدونه على القنوات التلفزيونية "الممانعة"، فسطروا على جدران مدرستهم عبارة: الشعب يريد إسقاط النظام!

لم يتأثر هؤلاء الصبية بإعلام متآمر، بل بإعلام "ممانع". كانوا يتابعون "نيو.تي.في" التي سبقت المصريين الى الإحتفال بتنحي حسني مبارك، و"المنار" التي زايدت على التونسيين في كره زين العابدين بن علي، و"أن.بي.أن" التي اعتبرت التخلص من معمر القذافي مهمتها وليس مهمة الشعب الليبي.

في تلك الفترة، كانت قناة "العربية" مترنحة في خياراتها، ولم تكن "الجزيرة" سوى قناة حليفة مثلها مثل أمير قطر !

وفي 15 آذار 2011، بدل أن يستوعب النظام السوري هؤلاء الصبية، سارع الى معاملتهم، وفق القواعد الموضوعة سابقا، وكأن النظام مجرد آلة تستخرج ردة فعل كلما واجهها فعل!

وعندما راجع ذوو الصبية وأعيان درعا ضابط الامن السوري، جوبهوا باحتقار وإهانات والمس بالعرض، لدرجة بات معها هذا الضابط الأمني، أداة لإنتاج أطفال بدلاء عن الصبية المعتقلين في أقبية التعذيب!

وتفاعلت هذه القضية. إندلعت الإحتجاجات. واجه النظام الإنتفاضة بالقمع فكانت... الثورة!

صعق المجتمع الدولي باندلاع الثورة في سورية. كان الإضطراب في هذه البلاد يتناقض مع تطلعات المجتمع الدولي كلّه.

لجأ الجميع الى تبرئة ذممهم من مئات الشهداء الذين يتساقطون أسبوعيا، بدعوة الأسد الى قيادة الإصلاح. ردات الفعل الدولية ،على السلوكية الأمنية الضاغطة، شجعت الأسد على اقتراف المزيد من الجرائم. وحين بدأت تخشن الحناجر الدولية، أوصل رسالة الى اسرائيل عبر رامي مخلوف ومن ثم عبر تفليت الحدود في يوم الأرض، فدخلت اسرائيل على خط دعم "حليفها الإستراتيجي" فهدئت الأصوات الدولية!

ولكن، الأسد بدل أن يستفيد من عجز المجتمع الدولي لتهدئة الأوضاع، ذهب الى البعيد، بحيث باتت بلاده مضرجة بالدماء من أقصاها الى أقصاها، وبات السوري ينصح باختراع نوع جديد من مياه الكولونيا، بحيث تكون من رائحة الدم، لأن الشعب أدمن على هذه الرائحة!

ومرّت الأشهر الثقيلة المضرجة بالدماء، ولا يزال المجتمع الدولي مترددا، تارة بحجة عدم توافر قرر من مجلس الأمن، وتارة بحجة عدم الثقة بالبديل !

مؤامرة ؟
أي عقل يصنع المؤامرات التي تحرك شعبا وتدفعه الى الموت يوميا، ويقف عاجزا عن إيجاد السبيل الى قرار في مجلس أمن ، يقول الممانعون، إنه تحت السيطرة الأميركية!

مؤامرة؟
أي مؤامرة هذه التي تحاك في غرف كبار المخططين، وتُصدم عندما يبدأ البحث في البدائل؟

مؤامرة ؟
نعم هي كذلك، ولكنها على الثورة السورية !

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها