عاشت الأمة الآرامية بجميع طوائفها حرة أبية

فارس خشّان

 تعريف: فارس خشّان كاتب ومحلل سياسي لبناني

 


كتاب مفتوح إلى العماد عون

فارس خشان 9 اب 2015

دولة الرئيس العماد ميشال عون المحترم،

بحنين الى تلك المودة التي كانت تربطني بك، في زمن سياسي مضى، أكتب اليك هذه الرسالة المفتوحة.

لن أنشر رسالتي هذه في أي وسيلة اعلامية، لمعرفتي بأن مضمونها لا يناسب أي خط تحريري، سأكتفي بمواقع التواصل الاجتماعي، حيث سيتعارض ما أكتبه مع غالبية الأصدقاء المفترضين.

نعم، التمديد المتواصل في مواقع النظام السياسية والعسكرية والمالية، هو انقلاب مكتمل المواصفات على دولة أردناها ديموقراطية، ومن أهم أركانها: تداول السلطة بسلاسة بوكالة الشعب المتجددة بالانتخابات.

نعم، من المعيب أن نعقد لقاءات احتفالية بأي تمديد، وأن نوزع صورا توحي بانتصار طرف على طرف، فيما نعيش جميعنا، في مأتم ديموقراطي كبير مزينة طرقه المظلمة، بأطنان النفايات.

نعم، خزينتنا منهوبة، وهناك فئة أثرت على حسابها. نعم، سلطتنا مستغلة وهناك من يتوسلها، ليصرف نفوذ، من أجل تحقيق أهداف غير مشروعة.

نعم، قياداتنا مرتبطة ارتباطا عضويا بدول خارجية، وتحكمنا إما بالتواطؤ معها، أو بأحسن الأحوال بالتنسيق معها.

نعم، يحق لك أن تكون لك كلمتك في تركيبة السلطة، فأنت، شئنا أم أبينا، تمثل شريحة واسعة من اللبنانيين.

نعم، من حقك أن تدعو الناس الذين يؤيدونك الى التظاهر، إعتراضا هنا وتأييدا لمطلب هناك.

ولكن، يا دولة الرئيس، في ظل هذه ” النعم” هناك “لا” كبيرة، ترتكب خطيئة، كلما تغاضيت عنها. لا، ليس من حقك أن تتحدث، وكأن التمديد للعماد جان قهوجي وقبله للمجلس النيابي، حدث بمعزل عن ضوء أخضر أعطاه “حزب الله”.

لا، ليس من حقك أن تتعاطى مع المسار السياسي الذي يسلكه الرئيس نبيه بري، بمعزل عن التوافق التام بينه وبين “حزب الله”.

لا، ليس من حقك أن تتهم الآخرين بالانتفاعية السياسية، وأنت محاط برموز هذه الانتفاعية البغيضة.

صحيح أن خصومك، وهم يضربون مواقعك في السلطة، يتناغمون مع “حزب الله”، وربما يستقوون به، على الرغم من أنهم يعتبرونه خصمهم الوجودي، ولكن الصحيح أكثر أن هذا الحزب يعاملك معاملة الطابة البيضاء على طاولة البليار، فبواسطتك يصيب أي رقم يستهدفه، فيكسب الجولات التي يخوضها، لمصلحة محور إقليمي يفتخر بالإنتماء إليه.

دولة الرئيس، لقد ارتكبت خطأ استراتيجيا، عندما، نقلت الطواعية، من مرحلة التكتيك الى مرحلة الاستراتيجيا.

دولة الرئيس، لقد ارتكبت خطأ استراتيجيا، عندما ارتضيت، من أجل مكاسب آنية، أن تتحول من رمز لبناني، إلى عنوان انقسام إقليمي، في زمن إعادة رسم خرائط النفوذ السياسي، في منطقة انتقلت من الاضطراب الى صراع دموي، قدره أن يطول ويطول ويطول.

لو أنك تتذكر المراحل الأكاديمية، لكنت تنبهت إلى أن نجاح الطالب في كل المواد لا يوفر نجاحه إلا إذا تجاوز فخ العلامة اللاغية.

أنت، يا دولة الرئيس، وبفعل ارتضاء الاستقواء بطرف اقليمي، وقعت في فخ العلامة اللاغية.

أنت تعرف، أن خصومك “برغماتيون”. أنت تعرف أن شعاراتهم الكبرى تقف عند حدود مصالحهم. وأنت تعرف أن حليفك الأقوى هو الآخر براغماتي، وتفاهماته، تقف عند حدود مصالح معاركه الكبرى. هو الآن يخوض حربا في الاقليم، لمصلحة محور معروف، وبالتالي، لا صوت يعلو فوق صوت هذه الحرب، خصوصا متى كان الهدف مصارعة المطلوب احتواؤهم، لمصلحتك أنت. هو -ونحن معه- يعتقد بأنك “في الجيبة”، لأنه يعتقد بأنك بحاجة متواصلة الى دعمه المالي، والى دعمه السياسي( كم من نوابك أتوا بأصواته، وكم من وزرائك أتوا بوقوفه معك؟).

دولة الرئيس، نحن نقر لك بأن هناك شريحة واسعة من اللبنانيين، تؤيدك، ولكن هل تأملت بهذه التركيبة، لترى فاعليتها؟

هؤلاء ليسوا “عونيين”، بكل ما تحمله الكلمة من معنى. هؤلاء لا يؤيدونك، الا بقدر ما تمثلهم في كره الفئات السياسية الأخرى.

هؤلاء مثلهم مثل الشعبية الصاعدة للعماد جان قهوجي. أصبح يمتدحه الآن كل من يعاديك. بالأمس كان مداحو اليوم يهجونه، ربما لاعتقادهم بأنك كنت تؤيده.

وهذه الشريحة من الناس، لا تصنع تغييرا في الشارع. لعلك تتذكر، أنك منذ ١٣ تشرين اول ١٩٩٠ حتى ١٣ آذار ٢٠٠٥ لم تستطع بواسطة مؤيديك الذين كانوا يعتمدون سلوكية الاغارة على الشارع، أن تغير حرفا من المرسوم الذي نفاك. التغيير حصل، في ١٤ آذار ٢٠٠٥، لأن مؤيديك كانوا جزءا من مد سيادي عظيم، يضم كل هؤلاء الذين تعاديهم الآن، ويرفعون راية من تستجدي عداءه، وهو جثة في ضريحه وقضية في محكمته.

لا، دولة الرئيس لست مجنونا. نعم، دولة الرئيس، هناك مواضيع مهمة أثرتها، كنت محقا فيها. ولكنك، وبصدق، ومنذ العام ١٩٨٨، مصاب بإرهاق اللاهث الى ماء في صحراء قاحلة، والراكض الى قمة في جبل متعرج.

المرهق يحتاج الى إجازة مريحة. لا تقل إن حياتك، أصبحت في جزئها الأخير، ولا مجال للراحة. الراحة ضرورة ملحة لحسن استغلال القدرات العقلية، خصوصا متى تقدم بنا العمر. اكتشافات كثيرة، حصلت في وقت الراحة. استشر نيوتن. الراحة تساعد على اجتراح المعادلات السليمة، بعد عصيان طول العناء.

أنت مرهق، مما يحرمك من التفكير السليم. في راحتك، قد تجترح معادلة توصلك الى الرئاسة، أو معادلة تجعلك رئيس الرؤساء، أو معادلة تجعلك أبا روحيا لهذا الوطن المعذب.

دولة الرئيس، الطريق التي تسلكها لن توصلك الى هدفك، بل ستحقق أهدافا ستجعل الغالبية يرجمونك بلعنة تاريخية. ولعلك، في هذا الاطار، وعلى الرغم من الفارق الكبير، تدرك ان كثيرا من الفرنسيين يلعنون نابليون بونابرت كما يلعن كثير من الألمان هتلر، تماما كما يلعن ستالين كثير من الروس.

الطموحات المستحيلة، إذا ما أضحت هاجسا، تصبح لعنة تاريخية، لأنها توقع الأوطان في دوامة كوارث لا تنتهي آثارها ولا تندمل جروحها.

دولة الرئيس، خذ إجازة. مع الراحة ستكتشف الكثير. ستكتشف أن ما قلته بحق الآخرين، عن حق ربما، إنما يصح فيك، أيضا. حينها، تصحح المسار.

ثمة من قال ان شعار عون أو الفراغ، سيجعلك في خطر، لأن مصلحة الدولة العليا، يمكن ان تقتضي تضحية بك، لعدم استمرارية الفراغ.

لن يرشقك أحد بوردة، لأن خصومك السياسيون لا يملكون القدرة- بغض النظر عن النية- للوصول اليك، فيما القادرون على ذلك، سيحمونك من أجل إطالة أمد الفراغ.

ذلك، الحل بين يديك. خذ إجازة. الامكانات متوافرة لديك، لتقصد واحة من رائعات هذه الأرض. هناك، فكر بمن يمكن ان يعبروا الى الجنة. هناك يمكن ان تفوت الفرصة على من يريدك شمشون، لأن هدفه تدمير الهيكل.

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها