عاشت الأمة الآرامية بجميع طوائفها حرة أبية
 

بقلم: نينوس صوما اسعد
سويد ستوكهولم


الموسيقا السريانية الكنسية (الجزء الخامس)

السلم الموسيقي لدى الشعوب القديمة (2) 

3. الموسيقا لدى اليونان والرومان:

 إن التراث الموسيقي اليوناني غني جداً ويستحق الإحترام لأنه ثروة استفادت منها أمم عديدة، ونبع أرتوت منه الشعوب القديمة.

 وكما ذكرتُ في الجزء الثالث من بحثنا بأن اليونانين أخذوا عن الأوغاريتيين السلم الموسيقي السباعي واستعملوه قروناً كثيرة. ثم ظهر الفيلسوف والموسيقار اليوناني "لاسوس" (من القرن السادس ق.م)، صاحب الفضل الكبير في إكتشاف أصوات "السلم الموسيقي السباعي اليوناني"، وكذلك العالم اليوناني الشهير فيثاغوراس دي ساموس (المولود في ساموس 580-500 ق.م) الذي وضع الأبعاد الصوتية الدقيقة والصحيحة للسلم السباعي فسمي بإسمه أي "السلم الفيثاغوري". وبعد جهود وتجارب موسيقية طويلة استطاع هذا العالم الجليل والموسيقي البارع، فيثاغوراس، أن يضبط الأبعاد الصوتية للسلم الموسيقي السباعي بدقة متناهية، وأوجد فيه القاعدة الأساسية في إستخراج الأصوات الموسيقية السبعة، وبناه على أساس أطوال الأوتار وعلى حساب الخماسيات المتتالية.

ثم توالى بعض الفلاسفة والموسيقيين اليونانيين الآخرين الذين عملوا على تطويره وإستخراج النغمات منه وكان منهم "ارستكسينوس" (350 ق.م)  صاحب كتاب "علم الاصوات" وكتاب "علم النغم" وكتاب "الموازين الموسيقية"، و الرياضي الموسيقار "إقليدس" (300 ق.م) صاحب كتاب "النسبة الرياضية".

وكان سلم فيثاغوراس هو الأساس الذي أعتُمِدَ عليه لاحقاً من قبل علماء الموسيقا في إستخراج وحساب الأبعاد الصوتية للسلالم الشرقية والغربية، وهذا ما أكده كبار علماء الموسيقا في الشرق والغرب.

 وللأمة اليونانية الفضل الكبير على موسيقات العالم أجمع بما ابتكرته من أنظمة وقواعد كالتدوين الموسيقي القديم ومن إشارات ورموز وإصطلاحات لإكمال صحة التدوين وللتعبير عن جميع الحركات الموسيقية.

 وأما الموسيقا عند الرومان فقد إرتكزت على الموسيقا اليونانية، وتطورت كثيراً على أيدي علمائهم، وازدهرت كثيراً وفاقت موسيقا اليونان وغيرهم بفضل العالم والموسيقار "بوتيوس" (سنة 475 م) والموسيقار "كاسيدوروس" (585 م)  الذي ألف دائرة المعارف الموسيقية في ذاك العصر.

والموسيقا الرومانية (اللاتينية والبيزنطية) هي أساس الموسيقا الاوروبية اليوم، والتي تعتبر أرقى وأقوى موسيقات العالم قاطبة. وقد أبدع الموسيقيون الاوروبيون في ألحانهم وتآليفهم الموسيقية ووصلوا إلى حد العبقرية، ولحنوا للكنيسة ألحاناً عظيمة فأغنوها موسيقياً. وجاءت ألحان تراتيلهم سماوية شجية معبرة تنقلك الى عالم الروحانيات اللامحدود بالاضافة إلى ما تتضمنه من صنعة موسيقية عظيمة. وأسسوا أنواع المدارس الموسيقية الغربية كالكلاسيكية والرومانسية والتأثيرية وغيرها، التي تتالت وتعاقبت على أثر تطور الفكر الغربي.

أما تسميات العلامات الموسيقية للسلم الموسيقي السباعي الحالي: "دو، ري، مي، فا، صول، لا، سي". قد وضعها الراهب الايطالي كويدو الارتيزي في القرن الحادي عشر الميلادي.

  4. الموسيقا عند الصينيين:

 إن الصينيين هم من أعرق الأمم، ويقال بأنهم من أعرقها في الموسيقا أيضاً. والموسيقا الصينية قائمة على السلم الخماسي. ويعود للصينين الفضل في مجال النظريات الموسيقية إختراع قاعدة دائرتي الخامسات والرابعات الموسيقيتين، التي أعجب بها وبنظامها العجيب الفيلسوف الكبير والموسيقي العظيم الفارابي (874-950)م، وهو تركي الأصل وكان تلميذ السريان في الفلسفة، حيث أستخرج  بواسطتها ما يزيد عن ألف وأربعمائة نغمة.

ولا صحة للقول بأن موسيقا الصينيين كانت مبنية على السلم الموسيقي السباعي ثم استبدلوها بالسلم الخماسي كما أوضحت سابقاً في الجزء الرابع من مقالنا.

5.  الموسيقا عند الهنود:

 كل الشعوب القديمة على إختلاف ثقافاتها وأديانها مجدت الموسيقا، وكان الهنود ولا زالوا أكثر الأمم تمجيداً وتقديساً لها، ويعتبرونها فن سماوي لما يحتوي من رقة وسمو وجمال وقداسة. 

قيل بأن الشعوب الهندية القديمة استعملت السلم الموسيقي الخماسي، لكن الإثباتات ضعيفة لإثبات صحة هذا القول، لأن الموسيقا التي أستمرت وتواصلت عبر قرون طويلة ولغاية اليوم في الهند، تؤكد بأنهم أستعملوا السلم الموسيقي السباعي، والتأثير الكبير الذي تركته الموسيقا الهندية على موسيقا الفرس الذين يستعملون بدورهم السلم الموسيقي السباعي، هو أكبر إثبات بأن الشعوب الهندية أستعملت السلم السباعي منذ أقدم العصور، ولا ننسى بأن موسيقا الباكستان وبنغلاديش المنفصلتين عن الهند حديثاً ترتكز موسيقاها أيضاً على السلم السباعي.

كما أن الشعوب المجاورة للهند أستفادت كثيراً من الموسيقا الهندية، مثل التبت والشعوب التركية والمغولية، والفارسية، والأفغانية والكردية. وكذلك أثرت الموسيقا الهندية تأثيراً واضحاً على موسيقا وغناء وإيقاعات الشعوب العربية مثل الخليج واليمن في الازمنة المتأخرة، وعلى موسيقا العراق حديثاً.

 6. الموسيقا عند الفرس وتأثيرها على الشعوب العربية والتركية:

أدرك الفرس مثل بقية الشعوب سمو وقوة الموسيقا في الوصول بالأرواح الى الخالد الأزلي، لهذا قدسوا الموسيقا ومجدوها وعرفوا فائدتها وقوتها السحرية على النفس والروح فأدخلوها في معابدهم وشؤونهم الدينية. قال هيرودوتس (حوالي 484 - 425 ق.م): "كانت الموسيقا الفارسية من أرقى الموسيقات وأحلاها نغماً وأشوقها سمعاً".

إن الفرس اتقنوا صناعة الموسيقا وسبقوا الكثير من الأمم في وضع القواعد والإصطلاحات الموسيقية، وساعدهم على ذلك رقيهم ورفاهية شعبهم وشغفهم بالفنون وحكمة مفكريهم. وكان أوج الموسيقا عند الفرس في عهد داريوس (القرن الرابع ق.م)، ولا ينكر الفرس مطلقاً بأنهم استفادوا موسيقياً من موسيقا الهند والشعوب المجاورة لهم.

وأما السلم الموسيقي الفارسي هو سلم شرقي متين ومنظم تنظيم دقيق، وأستعمله العرب والترك ولا زالوا يستعملوه. وأبتكر الفرس أكثر من 360 نغمة موسيقية سميت بالمقامات، ودخلت هذه المقامات مع جميع مصطلحاتهم الموسيقية الايرانية إلى الشعوب العربية والتركية وهي مستعملة حتى اليوم وبأسمائها الفارسية، كما اوردتُ، في الجزء الثاني من مقالنا بعضاً من أسماء المقامات الموسيقية التي لا زالت مستعملة بأسمائها الفارسية البحتة ومنها: راست، سيكاه، شاهناز، نهوند، بسته نكار، بنجكاه، الخ.

وكذلك أسماء درجات السلم الموسيقي الفارسي التي لا زالت مستعملة عند العرب والترك مثل: "يكاه، دوكاه، سيكاه، جهاركاه، بنجكاه، شيشكاه، وهفتكاه، حشتكاه"، ومعناها: "الصوت الأول، الصوت الثاني، الصوت الثالث، الصوت الرابع، الخامس، السادس، السابع ، الثامن".  لكن تغيرت بعض أسماء الدرجات عند العرب مثل:  الدرجة بنجكاه أصبحت نوى، وشيشكاه أصبحت حسيني، وهفتكاه أصبحت أوج.

وما نسمعه اليوم من موسيقا قديمة في العراق التي تسمى "بالمقامات العراقية"، ليست إلا مقامات فارسية الأصل حتى أنها تغنى بلكنة موسيقية فارسية واضحة المعالم، أي أن العراقيين يغنون موسيقا فارسية ولكن بلغة عربية (أحياناً ممزوجة بمفردات دخيلة فارسية وتركية). وهذا التأثير الفارسي الواضح المعالم في الموسيقا والغناء العراقي ناتج عن سيطرة الفرس على العراق الحالي مدة تجاوزت أكثر من 1000 عام، منذ قضائهم على الدولة البابلية حتى خروجهم منه على يد العرب المسلمين في القرن السابع الميلادي باستثناء بعض المراحل، لكنهم عادوا إليه مجدداً كمسلمين ليسيطروا عليه ثانية ويحكموه مئات من السنين الأخرى لكن هذه المرة بإسم "الدين الاسلامي"، حيث أن معظم مظاهر الفكر الإسلامي ومذاهبه الدينية قامت على أكتاف المفكرين الفرس الذين كتبوا معظم مؤلفاتهم باللغة العربية، لأنها لغة الإسلام.

إن هذا الأمر يسقط كل الإدعاءات التي تقول بأن موسيقا العراق الحديثة هي إمتداد للموسيقا السومرية والآكادية والآشورية.  فالتأثيرات الفارسية الواضحة المعالم في الموسيقا العراقية ليست فقط في المقامات الموسيقية العراقية فقط إنما في التواشيح العراقية الإسلامية وخاصة الشيعية منها، رغم وجود موسيقا بدوية تنتمي للصحراء والبدواة وهي ناتجة عن هجوم وغزو الموجات البدوية للعراق بين وقت وآخر لتستقر فيه وتفرض بداوتها وغنائها الصحراوي على الحضارة والمدنية العراقية، كما يؤكد ذلك العالم الإجتماعي العراقي الدكتور "علي الوردي" في كتابه "مهزلة العقل البشري".

 وهناك تأثيرات فارسية أخرى على العراق ليس فقط في الموسيقا، إنما في بعض مظاهر الحياة فيه كبعض العادات والتقاليد، والكثير من المأكولات التي لا وجود لها في البلاد العربية الأخرى، لكنها مشهورة في بلاد الفرس.

فلا يستطيع العرب والترك ومهما حاولوا التهرب من الحقيقة وتعريب وتتريك الموسيقا ومصطلحاتها، نكران فضل الفرس في الثقافة الموسيقية عليهما.
7. الموسيقا لدى المصريين القدماء ( الفراعنة):

لقد أورد مؤرخو اليونان وفلاسفتهم القدماء، أثناء بحثهم في مدنية وحضارة وادي النيل، أن موسيقا المصريين وآلاتهم الموسيقية كانت أرقى وأقدم موسيقا في العالم، وأستعملوها في عباداتهم وتقديسهم القرابين، وفي الولادات والأعراس والحفلات العامة والخاصة، وكذلك في الجنائز والحروب وفي بذار الأرض والحصاد.

كان السلم الموسيقي لدى الفراعنة خماسياً، لكن عند دخول الهكسوس الساميين (قدموا من سوريا) أرض مصر (1789-1684ق.م) أدخلوا معهم السلم الموسيقي السباعي المتطور والمستعمل لاحقاً عند الآراميين في سوريا، وحل هذا السلم الحديث محل السلم الخماسي القديم في مصر، فعمل عليه الفراعنة وربطوا هذا السلم بالكواكب السيارة وبساعات الليل والنهار، فجاءت ألحانهم رائعة عذبة معبرة، حتى أن افلاطون أعتبرها أرقى الموسيقات، وأقترح أن تكون هذه الموسيقا لجمهوريته الفاضلة.

8. الموسيقا لدى اليهود:

إن التراث الموسيقي الديني عند اليهود قديم جداً، وما تركته التوراة لنا من معلومات حول الغناء الديني هو أكبر دليل على إستعمالهم للسلم السباعي إسوة ببقية شعوب المشرق

إن الإدعاءات حول تعلم اليهود الموسيقا أو تبنيهم السلم الموسيقي السباعي في بابل أثناء سبيهم على يد الملك نبوخذنصر، هي مجرد كلام بدون إثبات لا يؤخذ به، وتحتاج هذه الإدعاءات الى إثباتات حقيقية وبراهين علمية لنؤمن بها.

وكما أوضحتُ سابقاً (في الجزء الثالث من مقالنا) فإن اليهود استمروا في إستعمال السلم الموسيقي السباعي منذ هجرة ابراهيم الخليل من أور الكلدانيين في جنوب العراق إلى حران ثم إلى أرض كنعان في فلسطين وإلى مصر وعودتهم منها مروراً بمجئ السيد المسيح ولغاية اليوم، فما قيمة الإدعاءات السابقة إذاً.

إن نظرة قصيرة الى أسفار ما قبل السبي البابلي ستعطينا درساً حول هذه الحقيقة.
فهل كان داؤود النبي ومزاميره قبل السبي أم بعده؟

أم كان نشيد الإنشاد قد استورد مع الملك سليمان من بابل؟

 وهل كانت الأمثال، ومراثي إرميا، وطلبة إشعيا قبل أم بعد السبي؟

ماذا كان نوع السلم الموسيقي الذي يستعمله اليهود في موسيقاهم قبل السبي البابلي بألف عام مثلاً؟ 

أسئلة مطروحة تحاكي العقل أتركها للقارئ الكريم للوصول إلى الحقيقة.

إن الموسيقا لدى اليهود تعتبر من أعرق وأقدم موسيقات العالم التي لا زالت مستمرة ومستعملة لغاية اليوم، وتعتبر أيضاً من أغنى موسيقات العالم الدينية حيث تجاوز عدد أناشيدهم الدينية التسعة آلاف لحن، ورغم النكبات والكوارث الإنسانية التي لحقت بهم خلال التاريخ لكنهم حافظوا على قسم لا بأس به من هذه الألحان وعلى شرقيتها.

إن السؤال المطروح بإستمرار عن شكل الموسيقا اليهودية والسلالم التي استعملوها قبل ذهابهم وأثناء وجودهم ثم عودتهم من مصر الفرعونية، وإعتبارها إشكالية لم تحل بعد، وعدم وجود إثباتات  توضحها، فالمنطق يقول هنا:

إن ابراهيم الخليل الأب الكبير لليهود من جنس الآراميين (أبن الآراميين التائه) والنازح من أور الكلدانيين في جنوب العراق الى أرض الميعاد أرض كنعان حسب رواية التوراة، كان يستعمل السلم السباعي في موسيقاه قبل سكنه أرض كنعان.

ولا بد أن يكون تراثه الموسيقي والألحان التي حملها معه (التي هي جزء من تكوين شخصية الإنسان في موطنه) مبنية على السلم السباعي الأبعاد، ومتوافقة مع موسيقا الكنعانيين في إستعمالهم لنفس السلم. وعند هجرة اليهود إلى مصر التي دامت حوالي 400 سنة استمروا في إستعمالهم للسلم السباعي لأنه كان مستعملاً في أرض مصر أيضاً التي تبدل سلمها الموسيقي من الخماسي إلى السباعي عند إحتلال الهكسوس لها، أي قبل قدوم اليهود إلى مصر بخمسمائة عام تقريباً. فلا شك بأن اليهود أثناء عودتهم من أرض مصر أستمروا في إستعمالهم السلم الموسيقي السباعي، حاملين معهم ألحاناُ جديدة ومتطورة، ومستفيدين من الحضارة الفرعونية العظيمة ومن موسيقاها ومن آلاتها الموسيقية العديدة والمتطورة.

 إن زيارة سريعة لكنيست اليهود في أوروبا أو أمريكا ستصدمنا بالحقيقة الصارخة، لأننا سنسمع ألحاناً شرقية حملوها معهم من شقوق التاريخ القديم، وهذا دليل كبير على محافظة اليهود على قدم وشرقية ألحانهم حتى في الغرب.

 إن مدة ألفي سنة في إستمرارية اليهود في إستعمالهم الألحان الشرقية لغاية اليوم في الغرب أمر في بالغ الأهمية ينفي إدعاءات من يقول بأن اليهود لم يستعملوا السلم السباعي في موسيقاهم بل تعلموا هذا السلم في بابل. أي أن اليهود كانوا يستعملون سلم موسيقي آخر غير السلم السباعي. 

وكذلك ينفي الإدعاءات القائلة بأن اليهود كانوا قد نسيوا موسيقاهم خلال فترة السبي البابلي وتعلموا موسيقا أهل بابل واستفادوا منها كثيراً ونقلوها معهم في عودتهم إلى اورشليم.

بالحقيقة لم يوضح لنا هؤلاء من أهل هذا الإدعاء كيف كانت شكل الموسيقا اليهودية قبل السبي البابلي، وعلى أي سلم كانت ألحانها مبنية، ولم يثبتوا لنا بالمصادر ما الذي نقله اليهود من موسيقا البابليين إلى بلادهم.

 لكم كل المحبة

الجزء السادس

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها