عاشت الأمة الآرامية بجميع طوائفها حرة أبية
 

بقلم: نينوس صوما اسعد
سويد ستوكهولم


السريانية الكنيسة الموسيقا (الجزء الخامس والعشرون)

جدل كنسي حول استعمال الآلات الموسيقية (2)

كنا قد استشهدنا بثلاثة آراء لعلماء كنسيين في مقالنا السابق قالوا بعدم جواز دخول الآلات الموسيقية الى الكنيسة، فالأول كان ليوحنا الذهبي الفم (407م) من الكنيسة البيزنطية، والثاني كان لجيروم (420م) من الكنيسة اللاتينية، والثالث كان للعلامة السرياني ابن العبري (1286م) من الكنيسة السريانية. كما كنّا قد استخلصنا من كتابات الآباء السريان مار افرام النصيبيني ومار يعقوب السروجي ومار يعقوب الرهاوي، بأنهم لم يستعملوا الآلات الموسيقية ولم يقولوا في جواز استعمالها.

ونتابع الموضوع لنعرض رأيا حديثاً، اخترته من بين كتابات كثيرة منشورة على صفحات الإنترنيت. فبالرغم من كون هذا الرأي غير مهم لكنني مضطر لتصحيحه لما يحويه من مغالطات تاريخية وموسيقية كثيرة ولأن الكثير من السريان وغيرهم يرددونه عن جهل.

رأي معاصر

كتب أحدهم عن الموسيقا السريانية الكنسية، وهو يعكس آراء مجموعة  يحتلون مساحات في الانترنيت بكتابات ذات طابع عاطفي قومي او سياسي يسمونها مقالات موسيقية، وهؤلاء يدوِّرون الافكار في كتاباتهم لتوظيفها في خدمة السياسة والافكار القومية وليس لأجل خدمة المعرفة والحقيقة. فأختصر كتابته بهذا الإقتباس الذي يعكس رأيه وآراء هؤلاء في استمرارية استخدام الآلات الموسيقية تاريخياً منذ بدايات الشعوب القديمة مروراً بالعهد اليهودي فالمسيحي وصولاً الى يومنا هذا، وهو الجزء الذي يخص موضوع مقالنا، فيقول فيه:

"استمرت الكنيسة السريانية في استعمال الآلات الموسيقية منذ تأسيسها لمرافقة موسيقاها، إلى أن الغيت في العصور المتأخرة، لكنها ظلت تستعمل الآلات الإيقاعية منها التي هي متجلية بالصنوج والصلاصل والأجراس المستعملة ولو بشكل نادر في إحتفالات بعض الطقوس الكنسية".

وشرح يقول: "إن عادة إستعمال الإيقاعات في المناسبات الدينية تعود إلى ما قبل التاريخ منذ عهود السومريين والآشوريين والبابليين، فورثها عنهم اليهود والمسيحيون والمسلمون، وكانت تمارس في بعض طقوسهم الدينية، ونراها مثلاً متجلية في حوادث استقبال قادة وأنبياء اليهود بالدفوف، واستقبال السيد المسيح في الشعانين، واستقبال النبي محمد في يثرب عند هجرته إليها". إنتهى الإقتباس.

 إن مجموعة هذه الكتابات هي غير دقيقة وغير متوازنة وبعيدة نسبياً عن الحقيقة، ومطلوب من كاتبها أن يثبت بمصادر تاريخية موثوقة ما قد طرحه وأعتبره حقيقة. لهذا سأعالجها بأربعة اقسام:

القسم الاول: المصادر

هناك قاعدة عامة تقول: إن عرض رأي دون سند، لا يؤخذ به.

فعدم تقديم مصدر كدليل على نفي او صحة اشكالية ما، يُسقِط كل فكرة من جذورها وتُفقِد كل كتابة قيمتها.

فالسؤال المطروح هو على أي مصدر استند الكاتب بقوله: "استمرت الكنيسة السريانية في استعمال الآلات الموسيقية منذ تأسيسها لمرافقة موسيقاها، إلى أن الغيت في العصور المتأخرة، لكنها ظلت تستعمل الآلات الإيقاعية". ليُعلِمنا في عصر مَن مِن آباء الكنيسة كانت الآلات الموسيقية مستعملة، ومن منهم أجازها وأكّد استعمالها، وبعصر من منهم قد ألغيت ؟.

- إن عملية ربط موسيقانا الكنسية بموسيقا الشعوب القديمة هي محاولة للقفز بآلاف السنين على التاريخ بكلمتين ليوهم القرّاء بأننا آبنائهم دون تقديم سند او إثبات،

ستظل محاولة فاشلة لا يؤخذ بها.

- إن موسيقانا السريانية الكنسية هي صوتية بالكلية، وقائمة على خاصية (آ كابيلّا) A Cappella، اي أن الكنسية السريانية لا تستعمل الآلات الموسيقية في طقوسها مثلها مثل الموسيقا الكنسية البيزنطية. راجع الجزء الثالث عشر من مقالنا.

وأما ايقاعياً، فرغم أن غالبية ألحاننا الكنسية هي موزونة في تركيبها اللحني، إلا أنها خالية تماماً من جميع انواع الآلات الإيقاعات ومن تسميات الإيقاعات، كما بيّنا في الجزء السادس عشر من مقالنا، فيبقى رأي كاتبنا هذا للتسلية فقط وليست لأجل نشر الحقيقة.

 القسم الثاني: آنية الكنيسة

يقول صاحب الرأي في القسم الثاني من كتابته: "فما الصنوج والصلاصل والأجراس المستعملة ولو بشكل نادر في إحتفاليات بعض كنائسنا إلا هي نوع من الإيقاعات".

إن تواجد الاجراس والصلاصل والصنوج وغيرها من الآواني الكنسية في طقوسنا إنما لها وظيفتها التعبيرية عن حادثة معينة أو إشارة لرمز ما او لفعل أمر ما، ولم يكن استخدامها كآلات إيقاعية ترافق الإنشاد الكنسي.

فالمراوح "ܡܰܪ̈ܘܚܳܬܳܐ" ذات الجلاجل التي تستعمل في التزييح وطقوس اخرى هي للإشارة إلى حضور الملائكة وتسابيحهم للرب في القداديس.

ويقول العلامة المطران اسحق ساكا في هذا الصدد بكتابه ܦܘܫܳܩ ܩܘܪܳܒܐ "تفسير القداس" الطبعة الثالثة 2003 صفحة (79): "المروحتان تشيران الى الكاروبين اللذين كانا فوق تابوت العهد".

كما أن الصنوج الكبيرة التي تُستَعمَل في قداديس كنائسنا في العراق، فوظيفتها التنبيه لبعض القراءات وقد قلّ استعمالها. أما استعمالها في طقس الناهيرهِ تطبيقاً لمثل العذارى الحكيمات والجاهلات أثناء قدوم واستقبال العريس، لا تحمل مدلولاً إيقاعياً إنما استعمالها هو تعبير عن الضوضاء التي تحصل بقدوم العريس.

أما المباخر التي تستعمل في العبادة فتشير الى العذراء التي حلَّ فيها نار اللاهوت ولم تحترق، وأجراسها الصغيرة التي عددها تسعة أجراس فتشير إلى عدد طَغمات الملائكة التسعة كما يؤكد لنا المطران اسحق ساكا في كتابه تفسير القداس ص (83)، فعملها إذاً ليس إيقاعياً إنما رمز ديني غير متعلق بالضروب أبداً، وليس الأمر كما يريد البعض اعتبارها من انواع الإيقاعات.

وكنيسة المشرق تستعمل الصنوج والزاجا (الجيم مصرية) اي الجرس الصغير للتنبيه الى قراءة بعض النصوص، او لمرافقة المراوح او لغيرها من اعمال الطقوس البيعية.

وأما أجراس الكنائس الكبيرة فلها وظيفتها الخاصة بها، وقد بيّن مهامها شاعر الكنيسة وقيثارتها مار يعقوب السروجي في طلبته الموضوعة في كتاب ܛܶܟܣܐ ܕَܨܠَܘ̈ܬܐ ܘܒًܥܘ̈ܬܐ، "طقس الصلوات والطلبات" طبعة دير مار افرام هولندا 1989 صفحة (37) حيث يقول:

 ܐܳܘ ܦܳܪܽܘܫܳܐ ܡܳܐ ܕܫܳܡܰܥ ܐܰܢ̱ܬ ܩܳܠ ܢܳܩܽܘܫܳܐ

ܒܚܰܕܘܳܐ ܣܘܰܚ ܠܶܗ ܘܰܐܩܶܠ ܪܶܗܛܳܐ ܠܥܺܕܰܬ ܩܽܘܕܫܳܐ

 ܬܳܐ ܠܰܨܠܽܘܬܳܐ ܘܐܰܝܬܳܐ ܗܰܘܢܳܟ ܢܶܗܘܶܐ ܡܟܰܢܫܳܐ

ܥܰܡܳܟ ܒܥܺܕܬܳܐ ܟܰܕ ܠܳܐ ܢܶܗܘܶܐ ܦܳܗܶܐ ܒܬܰܘܫܳܐ

 الترجمة بتصرف:

يا ايها النجيب إن سمعت صوت الناقوس

فاستقبله بفرح واسرع بخطاك نحو الكنيسة المقدسة

 أقبل الى الصلاة واجلب فكرك

ليكون مجتمعاً معك في الكنيسة لئلا يتيه في الضلال.

ونص هذه الطلبة موجود ايضاً في كتاب "التحفة الروحية" لصاحبه البطريرك افرام الاول برصوم في النسخة السريانية منه بعنوان "ܣܝܡܬܳܐ ܪܘܚܳܢܳܝܬܳܐ" صفحة (25) المطبوع في السويد 2007، وايضاً موجودة في مجلدات "ميامر مار يعقوب السروجي" التي جمعها بولس بيجان وطبعها في باريس بين سنة (1905 - 1910).

إن وظيفة النواقيس الكبيرة المعلقة في الكنائس هي لتذكيرنا بمواعيد الصلوات المقامة في الكنيسة والدعوة الى الصلاة الجماعية، فمن رغب بحضورها عليه الإسراع بخطاه إليها، وإلا فواجب عليه اقامة صلاته في بيته.

فمن المقطع الشعري الاول يتَضح لنا هدف وجود الأجراس في الكنائس، وهو دعوة المؤمنون لإقامة صلاة جماعية في الكنيسة. وهذا شاهد من طقوس الكنيسة يثبت عدمية إستعمال الاجراس كضروب في كنائسنا.

وأما المقطع الثاني فهو لتذكير المؤمن للقدوم الى الكنيسة بفكر نقي وقلب طاهر.

إن ما ورثناه من آبائنا لا يدل على أن آنية الكنسية استُعمِلَت كآلات إيقاعية، ولم يكتب تاريخنا الكنسي عن استخداماتها كضروب للأناشيد، إنما مهامها تقتصر على ما قد ذكرناه اعلاه.

القسم الثالث: هتافات ودفوف ومثلثات

أما ما يتعلق في الجزء الثاني مما كتبه: "إن عادة إستعمال الإيقاعات في المناسبات الدينية تعود إلى ما قبل التاريخ منذ عهود السومريين والآشوريين والبابليين، فورثها عنهم اليهود ثم المسيحيين والمسلمين، وهي تمارس في بعض طقوسهم الدينية، ونراها مثلاً متجلّية في حوادث استقبال قادة وأنبياء اليهود بالدفوف، واستقبال السيد المسيح في الشعانين، واستقبال النبي محمد في يثرب عند هجرته إليها".

فهذا رأيٌ لا يُؤخذ فيه قط لكونه يحوي مجموعة من المغالطات البعيدة عن الحقيقة التاريخية، وأسبابنا في رفضها هي:

1- أن الموسيقا الدينية لدى الشعوب القديمة تختلف كثيراً عن الموسيقا الكنسية السريانية، بسبب أننا لا نعلم بدقة شكل موسيقا تلك الشعوب ولا شكل سلالمها الموسيقية، وما طرحه العلماء من أفكار ومعزوفات موسيقية منذ عقود هي مجرد تفاسير لموسيقات تلك الشعوب، فنوع سلالمها الموسيقية تختلف عن سلالم موسيقا عصرنا هذا، بسبب أن السلم الموسيقي السباعي المستعمل اليوم قد تغيّر كثيراً وتطور على أيدي اليونانيين كما قد شرحنا في الجزء الخامس من مقالنا، ونحن السريان قد ورثناه عن اليونان وطورناه بدورنا لخدمة ذوقنا الموسيقي.

2- وقوله بأن اليهود قد ورثوا استعمال الإيقاعات من السومريين والبابليين أو الآشوريين في السبي، يطرح سؤالاً مهماً هو:

هل ملوك وأنبياء اليهود الذين استقبلهم اليهود بالدفوف كانوا قبل السبي البابلي أم بعده ليأخذوا عادة استعمال الإيقاعات عن تلك الشعوب القديمة ؟

ولماذا أخذها اليهود عنهم أثناء السبي البابلي، ولم يأخذوها مثلاً عن الفراعنة الذين استعبدوهم مدة 400 سنة تقريباً وبقرون عديدة قبل السبي البابلي الذي دام 70 سنة فقط.

تقول التوراة في سفر صموئيل الأول الإصحاح 18: 

" وَكانَ عِندَ مَجيئِهِم حِينَ رَجَعَ دَاوُدُ مِنْ قَتْلِ الْفِلِسْطِينِيِّ، أَنَّ النِّسَاءَ خَرَجَتْ مِنْ جَمِيعِ مُدُنِ إِسْرَائِيلَ بِالْغِنَاءِ وَالرَّقْصِ لِلِقَاءِ شَاوُلَ الْمَلِكِ بِدُفُوفٍ وَبِفَرَحٍ وَبِمُثَلَّثَاتٍ".

إن الملك شاول الذي توفي (1025ق.م) كان قبل السبي البابلي بقرون طويلة، فكيف سيأخذ اليهود عادة أستقبال ملوكهم من أهل بابل ؟.

إن عادة استقبال اليهود لزعمائهم بالغناء والدفوف والرقص هي منذ أيام موسى النبي، بل أن التوراة تؤكد إستعمال اليهود لكثير من الآلات الموسيقية والإيقاعية في طقوسهم الدينية منذ أقدم العصور.

3- إن مرافقة الآلات الموسيقية للموسيقا الدينية للشعوب القديمة وللموسيقا الدينية اليهودية هي أمر بديهي لا يحتاج إلى أثباتات ومصادر، فالكتاب المقدس والآثارات تخبرنا عن ذلك وبوضوح تام.

أما في الموسيقا الكنسية الشرقية وخاصة السريانية منها فلا ترافقها آلات موسيقية في صلواتها، ومن يقول بمرافقتها فعليه الإثبات بمصادر تاريخية موثقة.

4- هناك إختلاف في السلالم الموسيقية من حيث حجم مساحاتها الصوتية. فالموسيقا الدينية اليهودية تعتمد اساساً على السلالم الكاملة ذات المساحات الصوتية الكبيرة. ولأنها تأثرت كثيراً بالموسيقا المصرية القديمة بسبب طول إقامة اليهود في ارض مصر، فانهالوا من ينابيع موسيقاها وقلّدوها وصاغوا مثل قوالبها. بينما موسيقانا الكنسية تعتمد على أنصاف السلالم الموسيقية كالأجناس والعقود ذات المساحات الصوتية الصغيرة.

5- إن الشعانين هي تقليد يهودي نعم، ولكن تغيّر مفهومها في العصر المسيحي، وفي الكنيسة السريانية تقام إحتفاليات الشعانين ببهجة وسعادة وبأناشيد سريانية تحوي الفرح في كلماتها وألحانها بلقاء السيد، ولكنها تنشد دون مرافقة ضروب لها.

6- واما فيما يخص إستقبال محمد رسول الاسلام في يثرب.

فإن ما يتداوله المسلمون من بعض القضايا والحوادث التاريخية النبوية أغلبها ملفقة ومؤلفة بعد رسول الاسلام بقرون عديدة في كتب السيرة النبوية وغيرها، أو أنها غير موجودة مطلقاً حتى في السيرة النبوية ذاتها أو في الكتب الإسلامية القديمة الاخرى. فما حادثة إستقبال محمد في يثرب بالدفوف وبسعف النخيل وبالغناء سوى فكرة تجميلية حديثة العهد تداولتها كتب الموسيقا العربية الحديثة وبعض مواقع الإنترنيت لتقليد شعانين المسيحية.

سنتابع في الجزء القادم من مقالنا مناقشة القسم الرابع من الرأي المعروض اعلاه، وسيكون تحت عنوان: "شعانين الإسلام". وسنعرض ايضاً رأينا الشخصي في إدخال الآلات الموسيقية الى الكنيسة السريانية، واستعمالها لمرافقة ألحانها.

 الجزء السادس والعشرين

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها