عاشت الأمة الآرامية بجميع طوائفها حرة أبية
  
     
http://www.walidphares.com

English

مقالات سابقة

وليد فارس:

 بروفِسور في العلوم السياسية

كتاب "التعددية في لبنان"

تأليف د. وليد فارس

   بيروت في 12 كانون الأول 1978


القسم الخامس:

 المماليك

على إثر معركة حطين في شمال فلسطين، ضعف الصليبيون و بدأوا يتراجعون و ينهزمون امام العرب بقيادة صلاح الدين الايوبي.

و انحصرت رقعة الوجود الصليبي في مدن ساحلية كصيدا و طرابلس و انطاكيا و عكا. و سقطت هذه المدن الواحد تلو الاخرى تحت ضربات المماليك الذين استولوا على الحكم في المنطقة العربية و احكموا سيطرتهم عليها بعد أن دحرها المغول الذين اجتاحوا الشرق آتين من هضاب آسيا. و بعد معارك عنيفة، "حرّر" المماليك الشرق من جديد بسقوط عكا في ايديهم و انكفأ الصليبيون الى قبرص.

و لم يبق امام المماليك لكي تستتب العروبة على أرض الشرق و تنهض الا "خنجر في خاصرتها"، و قد آلمها كثيرا اثناء احتلال الصليبيين "للوطن العربي". و الخنجر هذا هو لبنان. فارتد  المماليك على المسيحيين المستقلين و جهزوا حملة ضخمة لينهوا الوجود "العميل" في الجبل اللبناني. و قد تركت لنا الوثائق التاريخية فيضاً من الرسائل يتهمون فيها المسيحيين و موارنة لبنان خاصة باستدعاء الفرنج و دعمهم لهم، و التنكيل بالمسلمين الواقعين تحت الاحتلال الصليبي. و قد انتظر المماليك و عرب لبنان لحظة تراجع الصليبيبن طويلا حتى ينقضوا على اللبنانيين و يبيدوهم . و عندما تأكد للفريق العربي ان خطر التدخل الخارجي قد زال، تجمعوا و جهزوا حملة عسكرية على الجبال اللبنانية.

حملة المماليك لم تكن الاولى، بل سبقتها حملة سنة 1281 على جبة بشري و شملت اهدن و حرقا و حصرون، و الثانية سنة 1292 على محور جبيل و انتهت بانتصار ساحق للقوات المسيحية.

حملة كسروان 1305

عيّن المماليك هدفا ارادوا به سحق كسروان و محوها من الوجود...

إن كتب التاريخ العربية تجمع على القول بأن الحملة المملوكية على كسروان كانت لأسباب طائفية اسلامية داخلية، و انها كانت موجهة ضد الشيعة بهدف تصفيتهم. و كتب التاريخ اللبنانية الرسمية و غير الرسمية تؤكد على ان الحملة المجرّدة ضد الشيعة كانت تسهتدف كسروان ككل، بمسيحييه ايضا، كونها منطقة خارجة عن سلطتها. الا أن الحقيقة التاريخية ليست بسيطة بهذا المقدار. فالحملة، و إن اتفق الجميع على وقوعها ضد منطقة كسروان، كان لها أهداف متعددة بتعدد سكان تلك المنطقة. فمن ناحية أولى أراد المماليك أن ينهوا الانحرافات داخل الإسلام فيقضوا على الشيعة القاطنين في المتن و بعض المناطق الكسروانية. و لكن، من ناحية ثانية استهدف المماليك من خلال هجومهم على هذه المنطقة، إزالة القوة المسيحية المستقلة في كسروان، و سحقها نهائياً لعدة اسباب، أهمها تعامل المسيحيين مع الصليبين و رفضهم للحكم العربي.

لذا، فالحملة كانت حملتين، واحدة قام بها الحكم الاسلامي على الشيعة و أخرى قام بها الحكم العربي على المسيحيين في كسروان. بما أن الحكم العربي الاسلامي كانا واحدا، فأصبحت الحملتان و كأنهما واحدة، خاصة وانهما وقعتا في نفس الوقت.

فاذا كانت الحملتان قد تعادلتا بقساوتها، فالثانية برزت في التاريخ كنقطة تحول اساسية بالنسبة للطرف المسيحي. فحجم الخسارة التي تكبدها الكسروانيون والمسيحيون خاصة غيّر سيرة مقاومة المد التي اتبعها المسيحية المستقلة في الشرق منذ الفتح العربي.

لذا ندرس الحملة من خلال وجهها المملوكي – المسيحي...

المنطقة هذه كانت القاعدة الثانية للموارنة بعد جبة بشري في الشمال. و كانت أرضا غنية ذات كثافة سكانية، صعبة الاحتلال ومنيعة عاصية. و قد سميت كسروان نسبة للامير كسرى. و اقرّ المماليك هدفهم، نسبة الى شأن هذه المنطقة كعمقها الاستراتيجي وغناها من جهة ولان الجبة الشمالية قد نالت عقابها، من جراء الحملات الاولى و الانقسامات الداخلية. اما أهل كسروان، فلم يظنوا يوما واحدا أن باستطاعة قدم ان تطأ منطقتهم و هي ملجاء المضطهدين، و لم يتصوروا ان العرب قد يستهدفوها من دون غيرها.

و بالفعل شنت الجيوش العربية هجوما رهيبا على المنطقة من عدة محاور سنة 1305 فسار نائب بعلبك مدعوما من نائب الشام من ناحية البقاع، و سار نائب طرابلس من الشمال و غزت قوات عرب لبنان بقيادة امرائها من الجنوب.

و حكمت الكماشة العربية المملوكية على المنطقة. و جرت معارك حيث قابل حوالي عشرة الاف مقاتل كسرواني أكثر من خمسين ألف جندي عربي. و تلاحمت الفرق فيما بينها، و تقدمت الجحافل العربية الواحدة تلو الاخرى، و تراجعت القوات المسيحية اللبنانية من على جميع المحاور، و التجأت الى الجرود. و لكن الجيوش العربية منعت عنها سبل الفرار و داهمت القرى والدساكر و نفذت اشنع مجازر في حق الموارنة و المسيحيين، حتى انه قيل عندئذ أن جبل كسروان تغطى بالدم، و سالت الانهار طوال اشهر بلون أحمر قاتم. و أمعن المماليك في القتل و التعذيب و السلب و التهجير و الحرق، و لم يتركوا شيئا في هذه المنطقة، فقطعوا الاشجار و حرقوا كل ما هو أخضر، و هدموا البيوت، فأصبحت كسروان منطقة تسكنها الاشباح، و اختفت في غضون شهور، حضارة عريقة سكنت هذا الجبل و حرثت ارضه و كسرت صخوره و عاشت تحت سمائه منذ مئات السنين. و لكن المماليك، انتقاما للخيانة التي ارتكبها بنظرهم مسيحيو لبنان، و منعا لنهوضهم من جديد، افرغوا هذه المنطقة الواسعة من سكانها الحقيقيين واستقدموا عشائر عديدة واسكنوهم في كسروان و منعوا رجوع الموارنة حتى اذا عادوا تعرضوا للموت

وعلى أثر هذه المصيبة- المجزرة، تداعت ركائز الامة اللبنانية بأسرها و تصدعت اسس استقلالها. فلبنان المسيحي المستقل ارتكزعلى عنصرين، وحدة صف ابنائه، و مناعة الجبل.

و بالحملة المملوكية قضي على مناعة الجبل، بعدما تفرقت صفوفه على أثر الخيانات في الجبة الشمالية. و لكن الحقيقة التاريخية أكثر بعدا من هذه الاوليات.

فالوضع الشرقي و هو واقع تعددي كما ذكرنا سابقا، لم يسمح لتواجد أكثر من حكم سياسي واحد في المنطقة. العرب كأكثرية عددية (أكثرية لم تصبح كذلك الا بعد حملات التعريب التي تبعت الفتح العربي)، لم يسمحوا لغيرهم أن يتواجدوا كمجموعة سياسية ذات سيادة. فالعرب لم يقبلوا الا كرهاً المواثيق التي ربطتهم بالمردة الجراجمة السوريين واللبنانيين ايام معاوية وعبد الملك و من بعدهم. فالعروبة هي الوجه الوحيد للشرق حسب تصور ابنائها، و لا يجب ان ينازعها اي وطن لا ينادي بها، سيادتها وسيطرتها. و لعل هذا الموقف القومي يرتبط بتصور ديني تمليه التعاليم السماوية الاسلامية.

و اذا كنا لا نناقش هنا اية تعاليم، اسلامية كانت ام مسيحية ام يهودية، فاننا لا نستطيع الا أن نرى و ندرك ما حصل في التاريخ، و أن نتخذ من الامثلة الكبرى، صورا نقارنها بالتي نراها اليوم.

و الحقيقة الثانية التي نستعرض وقائعها في كل المراحل التاريخة، نستطيع استخلاصها من خلال حقبة الحملة المملوكية العربية سنة 1305:

المنطق الاول الذي ساد الشرق منذ الفتح العربي، هو المنطق الذي يفرض فكرة الهوية الواحدة، و الجنس الواحد، و اللغة الواحدة وا لدين الواحد والتصور الواحد، مع أن الوجود البشري في المنطقة ليس واحدا، بل تعدديا متمايزا... و لم تشهد مرحلة تاريخية اتخذت شعوبها منطلقا كالذي اعتمده الحكم العربي منذ أن وجد. و لعل الموقف العربي هذا قد اساء الى العرب و العروبة اكثر مما اساء الى الشعوب المقهورة التي قاست من تطبيق المنطق هذا عليها. فبدل أن يوجه الحكم العربي السكان العرب المسلمين نحو التعايش مع السكان المسيحيين، عبأهم ضدهم و قام على شحن الاجواء الطائفية ضد المسيحيين. و قد خسر السكان العرب على مدى السنين كل ثقة مسيحية بالتعايش مع الهوية العربية، حتى أن المسيحيين الشرقيين قد تحالفوا مع طرف خارج عن الشرق ضد العرب المسلمين الشرقيين. و خسرت العروبة قوة مشرقية صديقة زمناً طويلاً، و لا تزال، بسبب قناعات الحكم العربي المتعصبة.

كان للشعوب المقهورة الاقلية خياران، اما ان تضمحل نهائيا وتذوب في غير شخصيتها القومية، و اما أن تصفى جماعيا و جسديا. التاريخ، و هو الدليل الوحيد، قد اظهر لنا في تسلسل الاحداث على الساحة الشرقية أن أغلب الحلول التي انهت مشاكل قومية و وجودية، لم تخرج عن دائرة الخيارين السابقين:

تعريب الشعوب وتذويبها، ام ازالتها... و لا نستطع تقييم ما حصل بعد الفتح العربي و ابان الحكم العربي للمنطقة، الا عندما نطرح السؤال على أنفسنا.

1-    ماذا حصل بالملايين الذين لا يتصلون بأي شكل بعروبة القرن السابع، و الذين سكنوا مناطق اضحت اليوم عربية؟ و في الجواب منا، لا نستطيع المناورة: تصفية ام ذوبان.

2-    لماذا ارادت العهود العربية ازالة الوجود اللاعربي في المنطقة مع أن هذا الوجود شرقي، و ربما أكثر منها؟

الجواب:...

3- هل أن النية العربية التاريخية لا تزال هي نفسها في القرن العشرين و هل تحل مشاكل المنطقة اليوم نفس المنهجية و في ذهنية واحدة؟

الجواب: يكمن في ما يحصل اليوم، ويخرج عن دائرة البحث والتقييم التاريخي.

اذا، ومهما تكن الاجوبة، رأينا ان نهاية الاستقلال اللبناني المسيحي التاريخي اتى على يد المماليك و اعوانهم، بهجومهم المشترك على قلب لبنان و تصفية شعب منطقة بكامله و تهجيره و احتلال ارضة و استيطانها.

و منذ تلك الحملة لا نستطيع ان نتكلم عن استقلال تام للشعب المسيحي اللبناني او السوري في الشرق حتى يومنا هذا....

و قد يكون هذا الكلام تعديا صارخا على التاريخ الرسمي و تصورات الكثير من اللبنانيين، و لكن الاستعراض الذي سنواصله لحياة المسيحيين في لبنان سيثبت أن لا حقيقة سوى التي اكدناها و أنه لم يؤخذ منذ ذلك الحين اي استقلال تام للشعب الذي يؤمن بأن أجداده مردة و بأن الثورات التي قامت بها جماعة في القرن السابع و الثامن، هي ثورات قام بها اجدادهم. و الاستقلال الذي نتكلم عنه استقلال تام بسيادة كاملة على اراض لبنانية تاريخية، و ليس استقلال ذاتي كالذي سنراه ابان العهد العثماني في القرن السابع عشر.

والاشارة الاخيرة، هي على الفراغ التاريخي الذي يبدأ منذ هذه المرحلة في جميع المؤلفات التي صدرت حتى الآن عن تاريخ لبنان او عن تحليله. فبعد أن يتكلم المؤرخون عن المردة و صراعهم و استبسالهم، و بعد يصورونهم و كأنهم اجداد اللبنانيين الوحيدين، يقفزون درجة و يتكلمون عن الامارة اللبنانية دون ربطها بالدولة اللبنانية السابقة لها، و هي دولة المردة المستقلة... و لم يوضح مفكر واحد كيفية انتقال الامة اللبنانية من هيكلية الشعب – الاقلية اللاجىء في جبال لبنان و المضطهد من قبل الاكثرية العددية التي تحيط به، الى هيكلية الامارة التي وجدت ابان العهد التركي...

القسم الخامس : خلاصة الحكم العربي سياسيا

و مهما كان الامر غريبا فان ثمة اوليات نستنتجها بعد تحليلنا للحكم العربي منذ الفتح العربي حتى اوائل الاحتلال العثماني و هي:

1)      قبل الفتح العربي كانت المنطقة مسيحية بكاملها و تسكنها شعوب متعددة لها حضارات وثقافات متعددة، و ارتبطت بالعالم المسيحي.

2)      بدخول العرب الى المنطقة و احتلال معظمها، تراجعت الحضارة المسيحية الى لبنان و كونت فيه امة واحدة تمثل تجمع اجزاء من جميع شعوب الشرق المسيحية، و هي الساكنة الاصلية للشرق.

3)      اذا اصبح معظم ابناء المنطقة عربا نتيجة حملات التعريب التي تجسدت بالتجمع و الشروط العمرية، فإن الاراضي التي نشأت عليها الامة اللبنانية تاريخيا بجميع امتداداتها، لم تصبح عربية بل ظلت ضمن دائرة الحضارة المسيحية المشرقية.

4)      ان رفض العرب للحقيقة التاريخية التي افرزتها التعددية الحضارية، قد فجر مشكة الاقليات في الشرق، حيث ان الحكم العربي منذ العباسيين لم يعترف بوجود هوية غير عربية على اراضي اعتبرها عربية دون اي مبرر شرعي أو تاريخي.

5)      وتفجير مشكلة الاقليات على يد الحكم العربي أدى الى مواجهة دائمة بين أكثرية عددية تريد السيطرة التامة و اقلية قومية ترفض سياسة حكم الاكثرية. و لم تكن الحملات و المشاريع الاستيطانية التي اطلقها الحكام العرب الا لتغذي نار الحرب التي اندلعت بين مسيحيين شرقيين يدافعون عن حضارتهم و هويتهم و ارضهم، و مسلمين عرب اتوا الى مناطق اعتبروها مقتطعة لهم، ليحرورها من قوم صورهم رؤساؤهم و كأنهم اعداء اجانب.

6)      لا شك أن المشاكل القاسية التي تعانيها المنطقة اليوم، خاصة على الساحة اللبنانية، تمتد جذورها الى تاريخ بروز النية العربية في المنطقة بعد أن تأكد لها أنها بقوة تستطيع سحق كل من لا يماشيها.

يتبع 

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها