أمير الجنجويد الإسلاموي في ولاية سوريا نائم

يعسوب الشامي*

جرت العادة في شرقنا المتهاوي أن يعرف الكاتب بنفسه قوميا ودينيا وفكريا قبل أن أن بنس ببنت شفة، وبالتالي لكل كتب شريحته من القراء ولكل قارئ كتابه، وهكذا يتم تحجيم المعرفة وحصرها بإطار ما يروق لنا او الذين هم "من عظام الرقبة" والباقي لا يهم أن يأكلهم الضبع أو يسحلهم النمل. وبهذا يتمكن من التوجه لشريحة ينتقيها من القض والقضيض في الشارع السياسي والفكري، ولا يتبض الشرقيون من بائع غير معروف بالرغم من نوعية بضاعته. ونظرا لسيادة فلسفة تفصيل القمص وتلبيسها للعاري والكاسي منا وفقا لما يراد لنا تجد في هذا التقسيم البدائي شرخا وفجوات كبيرة تفصل بين الناس، وتأخذ المجاملة طابع الكذب والنميمة والغيبة وما تخفيه السرائر لا يمت للمصرح به بشيء. هذا وببساطة قاد لرواج فلسفة لإبادة الآخر بدل محاورته، فينحرون البشر كما الخراف في رابعة النهار.

الآن ساكتفي بطرح الفكرة لتقارع الحجة بالحجة وليس مهما شخصي (الكريم) فهو لا يضفي مصداقية ولا يقلل من شأن ما أقول طالما أني أتعامل مع التاريخ والظواهر وفقا لمنهج التحليل والتركيب المنطقي. بلا شك والحال هاتك تجد جنجويد الله المتأسلمين المزعومين استبقوا المهدي لينادوا بكل قناعة بما يفعلون على السياف ويدلوه على كل شجرة أو صخرة أو تل يستر علماني أو مغاير لما يعتقدون. هذا العنف والتكفير المسبق للآخر المختلف يجعل الجنجويديون ينحرون بغض النظر فيما إن سكانت الموسى حادة أو ثلماء، وبعد ذلك يفكرون فيما إن كانت الضحية سمينة أو غثة وفي أسوأ الأحوال تختلق ذريعة أو تجترح فتوى تكفيرية تفصل على  مقاس المجني عليه.

بديهي أن المناظرات والمواجهة المباشرة لمحاكاة العقول وتبادل الآراء خير وسيلة لحوار الأفكار والآراء على درب تطور وعي  البشر، إلا أن خوفي وأمثالي على بقاء الرأس محمولا بين المنكبين من جنجويد الله من الإسلاميين المتأسلمين وليس من الإسلام بلا شك ما يجعلني اتكتم على نفسي ولا أتراسل مباشرة مع أحد، بل دائما عبر وسطاء حتى عبر الانترنيت.

قال أحد الأخوانيين السوريين ردا على تساؤل فيما إن كان وكيل اللع على رقاب وأرواح وأرعراض الناس: "نحن لم نوكل أنفسنا لحماية دين الله.. بل هذا الأمر تكليف رباني لنا ونحن كمسلمين لا نتخلى عن واجباتنا ولا إقامة شرعنا من أجل طائفي حقود أو علماني مبغض يريد أن يهدم ديننا وينقض عراه.. يقول الله عز وجل في محكم التنزيل: " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " ويقول في موضع آخر: " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين". بل ويؤكد أنه وصحبه أشد حرصا منا على أموالنا وأعراضنا وحرياتنا، وهذه المهمة سيمارسها لصالحنا ونحن صاغرون. وأردف: : ويبدو أن هذا الاستخلاف في الأرض لم تسمع به وليس من أولوياتك". ولكن هذا يجعل السؤال ليس قائما وحسب، بل ويطرح نفسه بإلحاح شديد فيما غن كانوا حقاً يعتقدون أن الله إصطفاهم، وحعلهم أنتم خلفاءه في الأرض..! لماذا هم بالذات من  بين كل أعضاء البشرية!؟ يعني كل البشرية عليها أن تخضع لهم. هذا يخالف بيان الجماعة الأخيرة التي تنصلت من ممارسة الإرهاب والقتل والتكفير. فويحكم من أصدق..!

بلا شك هذا الهم الثقيل على الجميع بما فيهم مرتكبيه أصبح لا يطاق وتفجرت أغواره وطالت العالم القريب والبعيد، فصار البحث عن مخرج من أولويات كافة أفراد المجتمعات من بسطاء وعامة الناس وصولا لهام المجتمع، وذلك بعد أن تبين أن الموت الزؤام لا يفرق بين الضحايا ولا ينتقيهم. فلنستطلع بعض محطات مظاهر العنف في أغوار التاريخ.

في محاولة من كل المعنيين بالنحر تقصي هذا الهمّ بغية التعديل فيه وكضحية افتراضية أورد مقدمة يسيرة لفهم العقلية الإسلام-أصولية الإقصائية، سنبحث مشروعية إرهاب الله لعباده عبر وكلاءه المتزمتين الذين يعتنقون الإرهاب وليس الإسلام حيث يخرجون جملا من سياق النص ويتذرعون بها لتبرير أفاعيلهم " واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ورباط الخير ترهبون به عدوكم وعدو الله ". وبذلك لا نقحم الدين الشعائري الذي هو حق كل فرد وأيا كان الدين وله أن يبدله أو يعتقده إلى ما شاء.

السنة وما أدراك ما السنة:

التنظير الإسلاموي لا يرى النبي مجتهداً ولا ينطق عن الهوى، أي لا يقول برايه أو يفعل برأيه، وإنما يرونه دائماً لا ينطق عن الهوى وفقا للنص القرآني. وعليه فإذا ما نسب إليه فعل أو قول فإنما هو يقوله أو يفعله بوحي الله تعالى، بناء على المبنى الذي يعتمدونه، ومن ثم ليس هناك حالة نطق أو تصرف للنبي محمد إلاّ وهو ينقل عن الوحي. وبالتالي هذا كنه العصمة للأنبياء. ربما نحن البشر بعقلنا الوضعي لم ندرك الحكمة المفترض أنها موجهة لنا ولا نعلم سبب الإغراق في الإبهام ومتى يتم فهمها، وعلى سبيل المثال لا الحصر حادثة شهوة محمد لمضاجعة بنت جحش  المسنودة قرآنيا حين أخبر الله نبيه بأن مولاه زيد سيطلق زوجته زينب بنت جحش، وأن عليه أن يتزوجها هو، وضمن ذلك في آية "وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه". وقد يرد هذا وغيره مفصلا في بحثنا حول حادثة الإفك والتي اجترح لها فتوى تبرئة في منتهى الحكمة والدهاء السياسي وبراغماتية منقطعة النظير في ذلك العهد، إذ كاد الخلاف أن يطيح برقبة صفوان بن المعطل السلمي بحد سيف علي بن ابي طالب وتضيع جهود محمد وصحبه في بناء الدولة من خلال صراعات داخلية تبدأ بردة القبائل. ومن خلال استقراء ما سلف لا نجد حرجا من تصنيف محمدا أعظم شخصية براغماتية في حينه

اختلافية الخلافات المذهبية الإسلامية:

سعيا منه لتقريب وجهات النظر وإسقاط القتل كصيغة وحيدة للحوار بين الطوائف وضع الدكتور الشكعة كتابه "إسلام بلا مذاهب" سنة 1960 وتعرض فيه للنقاط المشتركة التي تجمع بين أهم النحل والتي توضعت تحت عنوان كتابه على الغلاف الأول: "الخوارج، الأباضية، الشيعة الإمامية، الزيدية، الإسماعيلية، الدروز، العلويون، القاديانية، الأحمدية، المعتزلة، السنة، السلفيون، المتصوفة". وطبع مرات ومرات. وفي الواقع الإسلام لم ينقسم إبان التحكيم الشهير في وقعة صفين، بل تمتد جذوره أعمق وتبدت بوضوح في الخلاف على الخلافة في سقيفة بني ساعدة ا! لتي رسخت الخلاف السياسي الذي تم التبرير له عبر فلسفات مختلفة فصارت مناهج فكرية وتحولت لمذاهب دينية مبعثها غايات سياسية إمامية فحسب. إن الذين بايعوا عليا لم يبايعوه لأنه رمز ديني أو لأنه وصي النبي فحسب، بل لأنهم متشيعين له لأسباب سياسية معروفة ذكرها ابن قتيبة الدينوري في كتابه "الإمامة والسياسة" بالتفصيل الممل. ولا يمنع أن يكون أحق صحبة محمد بولاية أمر المسلمين سواء بالقرابة والتوريث أو انه ابن عائلة ارستقراطية وسليل نعمة عرف كيف تدار الدور. أي أن الشيعة لم يكونوا فرقة دينية، بل فكرة سياسية تعبر عن رأي سياسي في أحقية الإمام علي من معاوية بالخلافة. وقد وجدت الدعوة سندا من دهاة القوم آنذاك أمثال: سلمان، وأبي ذر، والمقداد، والعباس بن عبد المطلب عم النبي وغيرهم. أي أن التشيع سبق عهد معاوية بكثير. امتدت وتطورت حتى وجدت في انصع تجلياتها السياسية في مماحكات الدولة الصفوية والعثمانية آنذاك. واليوم الوهابية خرجت على الجميع وتدعي أنها الفرقة الناجية وما سواها في النار. وبذلك يتضح أن الإسلام السياسي في تغير وتبدل مستمر. ويتم توظيفه لغايات القيمين عليه وليس لغايات إنسانية شاملة كما جاء في صدر الإسلام - مع تحفظنا على شموليته في صدر وضحى الدعوة وسنأتي عليها في بحث منفصل.

وعالمنا اللشرقي يعج بهذه الممارسات ما يجعل من المرء يتحسس صلعته بعد نشر أو قول أو نقاش أية فكرة جدية. وبالتالي يقوم الإسلاميون بالوصاية علينا نيابة عن الله، وليس الوصاية الفكرية أو السياسية فحسب، بل والشخصية ويتدخلون كأوصياء بالغسل والنفاس والجنابة والاستمناء والجماع ودخول البيت باليمنى والخروج من كذا باليسرى.. إن هذا التدخل الصارخ بخصوصيات الناس يتناقض وفكر الجماعات الإسلامية في مصداقيتها بالتعامل العادل أو بالمثل مع الآخر. تنظر الجماعات الإسلامية إلى العالم إما على أنه أبيض موال، أو أسود نقيض فحسب. ومن يتبعهم ما عليه سوى الإقرار دون عناء وألا يستخدم عقله بحال من الأحوال لئلا يخرج عن الطاعة ومنهج الجماعة وما! عليهم إلا "البصم بالعشرة" لكل ما يقدم عليه أو يفعله أو ما سيفعله شيوخهم سواء كانوا علماء أو أنصاف متعلمين كما هي في أغلب الأحوال. وهؤلاء هم رصيد هذه الجماعات وجلهم من حفظة قصار السور ويؤدون الخمس صلوات في مواعيدها وإن قصروا أو جمعوا يقيمون الدنيا ويقعدونها بالاستفتاء والقياس والإجماع وتكتب عنها الكتب والبحوث، أما حين ينحر إنسان مختلف فالموضوع ليس أكثر من كلب مشرك أو كافر ذهب إلى الجحيم وقتله يعتبر رحمة به باعتبار أن الإسلامي وكيل الله على الناس في الأرض (أستخلفهم على الأرض – الأية) وبالتالي القتل  "رحمة" بالكافر والمشرك لإيقافه عن استمرار العيش بالكفر ويحولونه  لجوار ربه كي يتسلمه الله ويحاسبه عن سبب عدم  ختانه واستنجائه وصولا لحجاب زوجته ومجالستها الرجال حاسرة الرأس. وبذلك يأتون كمساعدين معاونين للرب (القوي العظيم القهار القادر الكبير... و بقية الـ 99 اسم – نعت مرعب مخيف) ومع هذا يصورون الله ضعيفا بدونهم بحاجة لسيف القصاص من جنده  ووكلاءه على الأرض المتمثلين بقتلة البشر من زرقاويين وابن لادنيين منتشرين في كل أصقاع الأرض يبثون فيها رعبا وخوفا ولو كره الكافرون. ولا يتورعون من تصوير الله إرهابيا عنيفا مغرم بسفك الدماء والتعذيب ولا يعرف الرحمة "شديد العقاب" ولا قيمة للإستدراك الذي أتى كتطمين ثانوي "غفور رحيم" أن يترك مجالا لمن لم يتوب ويؤوب ويصير من الموالي كالأكراد أو ذميا كاليزيديين والمسيحيين أو مشركا مارقا كالعلويين والدروز "أشد كفرا من اليهود والنصارى – ابن تيمية – شيخ الإسلام" .

الذبح عند المتأسلمين ليس هواية أو عدوانية، بل عبادة وتقربا من الله. وبما أنهم خير أمة أخرجت للناس وقد اصطفاهم الله على العالمين (الإنس والجن) وحملهم الأمانة ليؤدوها وهي ثقيلة وحصرا بهم، ولكن ليس باليد حيلة، إما تبعية للقطيع أو تكفير ونحر. وتستغل السلط الدكتاتورية هذا المغنم ليكونوا عصا ضاربة في صالحهم وآخر تجلياتها أحد العلمانيين في حركة اجتماعية مدنية في سوريا الدكتور كمال لبواني يقع ضحية السلطة من جهة وتحت عصا الجنجويد الإسلاموي من جهة أخرى.

وحين نتحدث عن زوال أثر الجماعات الإسلامية وقتبا، فهذا لا يقلل من خطرها التكفيري. وفي الشام مثلا هذا النائم قد يستيقظ بصيحة  أو تفجير زرقاوي نتيجة الجهل المخيم والعمل السري وإيهام الناس أن الجنة تنتظرهم بالموت تحت لواء الوالي المنتفض والحقد الأعمى على الآخر نتيجة التراكمات التي اوجدتها السلطة كي يسهل عليها قيادة قطيع مطواع بدل شعب متعلم متحضر.

من خلال هذه النظرة السريعة نجد أن إسلام الأمس ليس كما إسلام اليوم ولا يشبه جهابذة اليوم قادة الأمس بشيء. فلا دبلوماسية ولا حنكة، ولا يقدرون المواقف ويزجون بالعالم في أتون حرب ضروس ويعلمون أنهم خاسرون في النهاية. وهذا ما لم نشهده في عصر صدر الإسلام ولو أقدم عليه أحدهم لانتحرت الدعوة في مهدها. وهذا ما يجب أن يتم قراءته قراءة صحيحة من قبل المتعاطين مع هذا الشأن ليخرجوا بنتائج حقيقة أو على الأقل أقفرب للحقيقة. ولتشارك التيارات الإسلامية الحقة المعتدلة كغيرها في كافة مناحي الحياة عليها أن تقرأ المشهد كما هو اليوم ولا يمكن فهمه على قاعدة حدجة البعير والناقة في عصر الانترنيت والذرة. وبلا شك هؤلاء موجودون ويمارس عليهم القمع كغيرهم من السلطة الرسمية ومن الجنجويد الإسلاموي. فهل تمد لهم يد نظيفة..!

* يعسوب الشامي – خبير شؤون الجماعات الإسلامية.

 

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها