اقرأ المزيد...

 

 

 

الدكتور وديع بتي حنا

 

wadeebatti@hotmail.com

 


لا بارك الله بكم – حتى على الكوتا دَنتْ نفوسكم

081007  

الشراهة والجشع وعدم الشعور بالإشباع هي الصفات التي يحرص اغلب بني البشر على آن يضعوا بينهم و بينها جبلا من نار. ولكن تبقى الحقيقة التي يجب ان تقال , ولا نعتقد أن بقولها نتجنى أو نظلم أحدا بقدر ما نصف الموصوف , هي تلك التي تشير إلى أن البعض , لا أدري ربما بالطبع اوبالتطبًع , لايستطيع بسهولة أن يمنح الآخرين فرصة الاعتقاد أن هذه الصفات ليست ذبابا يطنّ على الدوام في طلعات مكوكية حول وجهه , لا بل ان هذه الحقيقة تسمح في أن ترى  وقد أصبح لهذا الذباب مدرجات وقواعد ومطارات دائمة لدى ذلك البعض , تنطلق عند الحاجة في غارات في اتجاه هذا أو ذاك لتعود خائبة أو بفريستها الضحية . أحيانا يذهب بنا الاعتقاد إلى أن صنوف الطعام التي تثير لعابنا , نحن العراقيين , تؤكد جين الشراهة الذي يسكن فينا ونتوارثه مع الأجيال , فكيف نُفسٍر إذن بحثنا المتواصل عن الطعام المتخم بالدهون فنلحق كل عبارات وأوصاف الكرم بمن يدعونا إلى طعام زفر ونخرج لاعنين من كانت مائدة دعوته أشبه بوجبة صوم المسيحيين! . ألم يكن احد اللبنانيين على حق في ان يفتح فاه ويندهش ويصرخ قائلا , ( يخرب بيتكم , اذا كنتم تفتحون ريقكم بالتشريب فما ستتناولون على الغداء ) !

وهكذا فان المال والجنس كانا ولازالا نقطة الضعف التي يجب أن تؤخذ بالحسبان من قبل كل انسان مسالم يحب الحياة الهادئة بعيدا عن المنغصات واهلها , فيحرص مثلا على عدم التواجد حيث اصحاب العيون الوقحة كما يفكر مليا قبل ان يدخل في تجارة او شراكة مع من لم يعجنه بالمعرفة . يحكي لي احد الاصدقاء كيف فعل القدر الاحمق فعله فائتمن احدهم في شراكة وصار هذا يلقي على مسامعه احلى الكلام في انه الأخ الذي لم تلده أمه , حتى أينعت الثمار وحان موعد قطافها تحت يافطة فتوى جاهزة لكل زمان ومكان تتلخص في ان مال الكافر حلال للمؤمن , فاصبح الاخ الذي لم تلده امه غريبا كافرا يستحق النهب والسلب والرمي على قارعة الطريق! .

في العراق وقبل ايام اضاف مجلس النواب العراقي الى الجشع والشراهة في الاكل والمشرب والجنس والمال شيئا جديدا , انها الشراهة السياسية الصارخة التي فتحت فيها الكتل الكبيرة عيونها على مصراعيها وسال لعابها على لقمة صغيرة كانت حصة للمكونات الصغيرة . ترى ألا تفقد اسماك القرش هيبتها و بعض احترامها لذاتها عندما تدنو نفسها فتشارك اسماك الزينة طعامها ؟! لقد مثّل تصويت مجلس النواب العراقي على الغاء المادة الخمسين من قانون انتخابات مجالس المحافظات , و الخاصة بالكوتا للاقليات القومية والدينية وفي مقدمتها شعبنا, اعادة لقطار الديمقراطية والعراق الجديد الى المربع الصفري الذي ترفرف فيه اعلام ( اهل الذمة ). لكن مايثير في النفس الارتياح حقا هو هذا الموقف الجماهيري والشعبي والرسمي الذي عبر ويعبر بشكل واضح عن استنكاره وامتعاضه وقلقه من الخطوة الغير المبررة التي اتخذتها اساسا هيئة الرئاسة العراقية في نقضها للمادة المذكورة والتي جاء مجلس النواب العراقي بعد ذلك ليزيد الطين بلّة في تاييد النقض بالتصويت على الغاء تلك المادة وهو الذي اقرًها سابقا. كيف لي أن انسى تلك المرأة العراقية التي جاءت الى مقر الحركة الديموقراطية الأشورية في بغداد , وقد شاهدت ذلك بأم عيني , حيث علِمت من احدى القنوات التلفزيونية بالدعوة الى التظاهر استنكارا لقرار مجلس النواب , فلم تمنح لنفسها كما يبدو فرصة الاستبيان عن مكان وزمان تلك التظاهرات , حيث كان المقصود بها تظاهرات ابناء شعبنا في سهل نينوى بينما اعتقدت تلك المرأة ان التظاهرات هي في بغداد , فخرجت من بيتها في ظروف تعيشها بغداد ونعلم بها جميعا واستأجرت سيارة اقلتها الى مقر الحركة لتستفسر عن مكان وزمان التظاهرة وهي تطلق سيلا عارما من جمل الشجب والاستنكار . لقد برهن شعبنا, ربما للمرة الاولى خلال العقود الاخيرة , انه , وإن عُرف عنه شعبا مسالما مُحبا للجميع , لكنه عندما يتعلق الامر بالوجود والدور في بلد هو فيه الاصل فان لحمه مُر ولايقبل ان يكون تلك الشاة التي تُساق للذبح ولاتنطق ببنت شفة . مع الغاء المادة الخمسين التي تمثل الحد الادنى من الحقوق في بلد يقوم اليوم على المحاصصة وجد شعبنا الحال وقد بلغ السيل الزبى فانطلق رسميا وشعبيا ليصرخ بصوت هادر ( الى هنا وكفى ) . وهكذا فقد امتزجت وتوحدت موجات الرفض والاستنكار التي اطلقها وبشجاعة ممثلينا في مجلس النواب الاستاذان الفاضلان يونادم كنا وابلحد افرام مع موجات التنديد التي جاءت كسيل عارم من افواه كل الرموز الدينية والشخصيات السياسية والثقافية في شعبنا ولتعاضدها حناجر الالاف التي خرجت في تظاهرات شعبية , فكان كل ذلك جهدا متميزا رائعا مثًل لكل الخيرين ومناصري حقوق الانسان والساعين الى عراق ديموقراطي جديد مصدر فخر واعتزاز , في حين كان هذا الجهد اشارة حمراء تفاجأت بها كل عناوين ثقافة الاقصاء والتهميش والتخلف .

ربما كانت مصادفة ان اكون في الوطن وعلى مقربة من الحدث في هذه الظروف التي عاشها ويعيشها شعبنا والمتمثلة في تداعيات الغاء المادة الخمسين من قانون انتخابات مجالس المحافظات , وفي الوقت الذي كنت اتابع مايكتبه الاخوة الاعزاء من مقالات وتعقيبات تعكس الحس القومي والديني الاصيل , فكانت مقالاتهم لابناء شعبنا بلسما وحافزا للمزيد من الجهد وعدم الخنوع والاستسلام , لكن مقالات وكتابات اخرى طفت على السطح ايضا خلال الايام الماضية فانطلقت , وللاسف الشديد , لتحاول مرة اخرى استثمار الفرصة لتحقيق مصالح سياسية او إشباع عقد شخصية , من خلال التشهير والانتقاص من دور هذا او ذاك . نصيحتنا الخالصة الصادقة لاصحاب تلك الكتابات , وجلًهم يسكنون المهجر والمغتربات , ان يبادروا الى البحث بجرأة عن الحقيقة ويعيدوا تعيير مجساتهم ومصادر معلوماتهم ليكونوا اكثر قربا من الوصف الدقيق , فقد سمعت باذني ورأيت بعيني ان ابناء شعبنا يُشفقون حقا على تلك الكتابات في محتواها وعائديتها , فعندما يفرغون من تصفًحها يقولون يارب منك الهداية .

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها