اقرأ المزيد...

سعيد علم الدين

 كاتب لبناني. برلين

20102016

الشاعرُ الثائرُ

إنها ثورة القلم الحر، والحضارة العربية الإنسانية المستنيرة الجامعة بمحبة واحترام لكل اقلياتها، وثقافة الحياة الربيعية الرائعة بكل بلابلها وفراشاتها، والشرق المشرق بالفكر والشعر والبطولة والحب والفروسية والجرأة والشجاعة والمواجهة والغيرة والمعرفة والعلم والمستقبل والإخاء، والمزركش بأبهى حُلَلِ شعوبه واديانه ومذاهبه وفلسفاته واقلياته وعرقياته الكريمة والقديمة والأصيلة والخالدة منذ فجر التاريخ.

انها ثورة النور على الظلام تتفجر أحرفا ومنارةً وبهاء وليس انتحار ارهابيين همجيين وبرابرة اغبياء، وأشلاء بريئة عزيزة وايتاما وارامل ودموعا ودمارا ودماء!

انها ثورة عمالقة الفكر الصائب النجيب على اقزام المغاور والكهوف والمخابئ والملاجئ ومجارير واقبية المخابرات والسراديب!

انها ثورة ثقافة الحياة والحرية والحب والعشاق والصباح والانفتاح على آفات ثقافة الموت والاستعباد والحقد والنفاق والانغلاق والموت البطيء بثاني اوكسيد اصنام الاختناق!

أصنامٌ خاوية من هواء ارتفعت شاهقة في العلاء وسيطرت على المجتمع الشرقي بالحروب والاستبداد ونهر الدماء سيطرة عمياء وصار يتخبط بسببها في الظلام الدامس خبط عشواء !

إنها ثورة الزهاوي الثقافية التنويرية على القمع والاستبداد من أجل قيامة شرق حر جديد!

إنها ثورة العصر المجيد على تحجر التراث وصنمية رجال الدين وغباء العادات وعفن التقاليد!

إنها ثورة الحرية الفكرية الابية التي لا تعرف الرصاص ولا النار ولا الانقلابات الدموية ولا الاحزمة القذرة الناسفة ولا قرقعة الدبابات والحديد!

انها ثورة الصدق والعنفوان وصلابة الموقف، وعناد العقل العارف الثاقب الكاشف لأهل الكذب والجهل والبهتان، أصحاب العقل القاعد الخامد الغارب الجاهل الفاشل الخامل الجامد البليد!

إنها ثورة اللب والجوهر على النصوص مطلية بماء الذهب المزيف وقشور الفكر المزوَّر!

إنها ثورة الشاعر المقاوم الذي لا يهادن ولا يساوم، خاصة عندما يثقب الأيام ببصيرته فيرى الحقائق كشمس الضحى، ويخترق الزمن بفكره المضيء فيعبد لنا الطريق بالمصابيح!

وهكذا عندما نصب شعراء العربية في بلاد النيل اميرا للشعراء اسمه احمد شوقي فاتهم ان ينصبوا في بلاد ما بين النهرين اميرا للشعراء الثوار اسمه جميل صدقي الزهاوي.

فالزهاوي كان عبقريةً عظيمةً استمدت جذورَها من عظمة تراث بغداد، التي اغنت ابداعهُ الفكري، واستمدت جذوتَها المشتعلة من الحالة الاجتماعية المتخلفة، التي تمرد شاعرُنا عليها محاولا اصلاحها بكل ما اوتي من قوة، حتى غدت قضية حياة بالنسبة إليه، وأيضا استمدت غزارتَها من غزارة تدفق دجلة والفرات اللذان افاضا عبقريتَهُ بفيضانِ تدفقها الشعري.

وكما انجبت الكوفةُ شاعرا فذا، وفارسا هماما اسمه ابو الطيب المتنبي فلقد انجبت بغداد بعد الف عام تقريبا شاعرا جريئا، ومفكرا حرا اسمه الزهاوي.

الفرق وباختصار بين الزهاوي والشاعرين الكبيرين والكثير من الشعراء، أن الزهاوي لم يكن شاعرا، بقدر ما كان ظاهرةً ثقافية اصلاحيةً ثورية عارمة ذا نظرةٍ ثاقبةٍ، ومنارةً فكرية أدبية علمية مجددةً جريئة هادفة، واضعا الاصبعَ على الجرح بكل صراحةٍ ووضوح، ومحرضا من اجل ذلك على التحرر من الآفات الاجتماعية والامراض والعادات الموروثة التي تؤخرنا عن الغرب، و تتركنا نعيش الأوهام وكأنها حقائق. أي أن مجتمعاتنا مبنية على الأوهام وما زلنا نتخبط في أوهامنا وكأنها حقائق ثابتة. منشدا:

هل يخرقُ العاداتِ في ما جاءَهُ     إلا جريءٌ لا يخافُ مُلاما ؟

من يحسبِ الأوهامَ منه حقائقاً     يجدِ الحقائقَ كلَّها أوهاما

مقارنا بمرارة بين تطور الغرب وسعي أبنائه إلى التقدم وتأخر الشرق الغارق في سبات عميق :


الشرقُ ما زال يحبو وهو مغتمِضُ    والغربُ يركض وثباً وهو يقظان


والغرب أبناؤه بالعلم قد سُعدوا     والشرق أهلوه في جهل كما كانو

فالناس في الغرب مشغولين بالعمل والإبداع والإنتاج والاختراع

بينما نحن مشغولون بترهات الحلال والحرام، وتبادل الاتهام في قضايا الدين، ولعن اليد الشمال وتقديس اليمين، وتخوين الفلاسفة وتهجير المبدعين وقتل المفكرين وكتم افواه العارفين وشتم المخلصين، والغرق حتى الاذنين في بحور من الوحل التبريري والطين، والاشتغال دون يقين لمعرفة هل الملائكة هم ذكور ام شكور أم ربما إناث أم خناث؟

منشدا:

الغرب يُشْغِلُه مالٌ ومتربةٌ     والشرقُ يشغِلُهُ كفرٌ وإيمان


الغرب عزٌ بنوه أينما نزلوا    والشرق إلا قليلاً أهلُه هانوا

..

إلا أن الزهاوي لم يفقد الأمل بقيامة العرب ونهضة الشرق من جديد

بقوله:

نعم فسِدت في الشرق بعض عروقه   ولكن بجسم الشرق ما فسِدَ الدمُ

سترقى بلادُ الشرقِ بعد هبوطها       لو أن بنيها استيقظوا فتعلموا

ويعبر عن هذا الاستيقاظ بأبياتٍ تدعو الى نفض القديم والتجديد في الفكر الديني المستبد.

جَهِلَ الذين على قديمٍ عَوّلوا      إنّ الزمانَ يُغيّر الأحكاما

وينتفض شاعرنا الثائر داعيا بصراحة الى الحرية من هذا الاستبداد، والتحرر من القيود، والثورة على الخرافات، متمردا على القدر بأفكار مبكرة مستنيرةٍ، وأشعارٍ تلسعُ النائمين والمتخلفين والجهلة من رجال الدين الصنميين المتزمتين، يلسعهم بسياطٍ من نار المفكر العليم،

منشداً:

بُثُّوا بألسنةٍ لكم من نار             ما في جماجِمِكُم من الأفكار

ثوروا على العادات ثورةَ حانق    وتمردوا  حتى على الأقدار

كونوا جميعا سادةً لنفوسِكُم        فالعصرُ هذا سيدُ الأعصار

لا تقبلوا في الدين ما يَرْوُونَهُ        إلا إذا ما صحَّ في الأنظارِ

إن اليقينَ لفي الشهودِ جميعُهُ       والشَّكُ كلُّ الشكِ في الأخبارِ

أُنضوا القديمَ وبالجديدِ توشَّحوا    حتَّامَ تَختالونَ في الأطمار

وتملَّصوا من نيرِ كلِّ خرافةٍ         خرقاءَ تلقي الريبَ في الأفكار

وتحرَّروا من قيدِ كلِّ عقيدةٍ        سوداءَ ما فيها هدى للساري

قولوا الحقيقةَ جاهرينَ وأعلنوا     للناسِ ما فيها من الأسرارِ

هي غادةٌ حسناءُ إن لم نحتفلْ      بِجمالِها ذهبت الى الأغيارِ

أَنَسومُها خسفاً ونوسِعُها قلى     يا للجَهالةِ ثم يا للعارِ

إن الحقائقَ كالصَّباحِ جميلةٌ        للناظرينَ وكالنجومِ عوار

..

وبما ان حجاب المرأة كان بالنسبة اليه احد اسباب هذا التأخر، الذي اعتبره حجابا للعقل والفكر وليس غطاء للرأسِ والشَّعر.

كيف لا وهي نصف المجتمع وعندما نعطل نصف عقل المجتمع معنى ذلك لا بد وان يغرق المجتمع في الجهل والتخلف.

أخرَّ المسلمين عن أممِ الأرضِ    حجابٌ تشقى به المسلماتُ

ولهذا طالبها علنا بالسفور قبل اكثر من ثمانين سنة.

في هذه الأبيات الجريئة:

مزقي يا ابنـة العراق الحجابا       واسفِري فالحياةُ تبغي انقلابا


مزقيـه أو احرقيـه بلا ريثٍ       فقد كــان حارساً كذابا

عزوا الحجابَ الى الكتابِ           فليتهم قرأو الكتابا

إن التعصبَ مانعٌ                    أن تبصرَ العينُ الصَّوابا


زعموا أن في السفور سقوطاً        في المهاوي وأن فيـه خرابا

وإذا ما طالبتَهُم بدليلٍ              يثبتُ الدعوى أوسعوكَ سبابا


كَذَبوا فالسفورُ عنوانُ طُهرٍ        ليس يلقى معرّةً وارتيابـا

ويتابع في صرخةِ بطولية فروسية ناقدة جهورية ثابة الخطى، شديدة الوقع، صلبة الموقف لا مثيل لها في تاريخ الأدب العربي:

كان الحجاب يسومها       خسفا ويرهقها عذابا


إن الأ ُلى قد أذنبوا          هم صيروه لها عقابا


وسيطلبُ التاريخُ من       ناس لها ظلموا الحسابا

..

وردا على مقولة المرأة ناقصة عقل ودين يقول

وكل جنس له نقصٌ بمفرده    أما الحياة فبالجنسين تكتمل

مثلما كلُّ طائرٍ بِجِناحٍ        في سمائهِ لا يطيرُ

..

أحدثت رسالته (المرأة والدفاع عنها) ضجة كبرى في العالم العربي الإسلامي، فهاج الناس على أثرها واحتجوا عام 1908 إلى (ناظم باشا) والي بغداد، يطلبون عزله من وظيفته. ونتيجة لذلك أقاله الوالي، واشتد سخط العامة عليه، وبتحريض من بعض القائمين على المؤسسات الدينية، ومن معهم من أهل الفكر المتخلف، مما اضطره إلى ملازمة داره خوفاً من الاغتيال. خاصة وان الشيخ سعيد النقشبندي كان قد كتب رسالة تبيح دم الشاعر بعنوان (السيف البارق في عنق المارق)

ونصرهفي معاناته هذه الدكتور المستنير (شبلي شميّل) والأديب (وليّ الدين يكن) في مقالات نشراها في صحيفة المُقطَّم المصرية وغيرها.

ولهذا فالزهاوي هو من الشخصيات النادرة في العالم العربي وفي العالم اجمع.

ولقد وصف شخصيتَهُ قائلا: " كنت في صباي أسمى "المجنون" لحركاتي غير المألوفة، وفي شبابي "الطائش" لنزعتي الى الطرب، وفي كهولتي " الجريء" لمقاومتي الاستبداد، وفي شيخوختي"الزنديق" لمجاهرتي بآرائي الفلسفية". 

ولهذا فغضبه على الواقع العراقي والعربي الاستبدادي المزري فجر في داخل مكنونات نفسه براكين غضبة المتأججة شعرا رائدا حرا، لروح متألمة هدفها الاسمي هو النهوض بالمجتمع العراقي والعربي:

من التخلف الى التقدم، ومن القعود الى النهوض؛ من الجهل الى النور، ومن الأمية الى العلم؛ من الانغلاق الى الانفتاح، ومن الاستبداد الى الحرية؛ من الخنوع الى الثورة؛ ومن التقوقع والاختناق في خيمة ظلال القرون الوسطى الى التحرر والانطلاق في افاق العصر الحديث.

لقد اجتهد وجد في محاولته الجبارة بانتشال المجتمع من مستنقع الخرافات الغيبية والتقاليد والعادات الغبية الى الحداثة العصرية تنير دربها الحقائق العلمية معطوفة على الجرأة الفكرية والآراء الفلسفية.

فلقد كان شاعرا مجدا، ومفكرا مجتهدا، ومجاهدا ثابتا، وخالقا مبدعا، وفذا وضليعا وعارفا وكاشفا ومحلقا في كافة الميادين والحقول التي تطرق اليها:

كان احد زعماء حركة التنوير العربية سابقا ابناء عصره بمئات السنوات، مثله مثل ابن رشد والحلاج وطه حسين والمعري وجبران وغيرهم الكثيرين من قادة الفكر التنويري قديما وحديثا

والذين حاربناهم قديما وما زلنا نحاربهم حديثا.

ولهذا ولا عجب ان تتخبط مجتمعاتنا على غير هدى، ونهجر من اوطاننا الدكتاتورية البالية الى بلاد العالم الديمقراطية الراقية، ونخسر سيادتنا واستقلالنا وتتمرجل علينا اسرائيل وايران. ويسيطر على شبابنا الفكر الدموي الانتحاري العبثي ، ويعبث بمستقبله المتطرفون والمتشددون والمنافقون والدجالون والمتزمتون والرافضون للعقل والعلم والمنطق ولنور الكلمة وحرية الفكر والتعبير.

فما نزرع سنحصد. وعندما نزرع الامية والجهل والتعصب والتطرف سنحصد الارهاب والاشلاء والقتل وسفك الدماء!

لقد كان الزهاوي شاعرا هماما،  وانسانا عظيما، ومثقفا ناقدا، وأديبا كبيرا، وفيلسوفا عالما، وفارسا شجاعا ممتطيا صهوة الشعر العربي بغزارة وبراعة وعقلانية

بقوله العقلاني:

لا أطمئنُ لغيرِ ما أنا سامعٌ أو مبصرُ

واقتناع عميق بالمحسوس وشعور أعمق بالملموس.

بقوله

إني امرؤٌ لا أجهُرُ      إلا بما أنا أشعرُ

الزهاوي هو شاعر وفيلسوف عراقي كردي الأصل ولد في بغداد الاربعاء 18 حزيران عام 1863م، ونشأ وترعرع في بيت علم وجاه في كنف والده مفتي بغداد محمد فيضي الزهاوي.

درس العلوم الشرعية الاسلامية والاداب العربية في مدرسة والده واتقن من اللغات العربية والكردية والتركية والفارسية.

تبوأ مناصب عدة في الدولة العثمانية ومنها تدريس الفلسفة الاسلامية في المدرسة الملكية في اسطنبول. وظل عضوا في مجلس الاعيان العراقي. وفي صبيحة الثالث والعشرين من شباط عام 1936 استيقظت بغداد على خبر مفجع أليم هزها من الاعماق، وأغمض شاعرها الكبير عينيه عن عمر يناهز 72 عاما ودفن في موكب مهيب في مقبرة الخيزران في الأعظمية. ترك الزهاوي آثارا ومؤلفات في مختلف المواضيع ومنها شعر كثير يناهز العشرة آلاف بيت.

وبأبيات من قصيدة جميلة استقبل بها ام كلثوم، وهو في الخامس والستين من العمر، عندما احيت حفلا غنائيا في بغداد، معبرا عن اعجابه بفنها الأصيل وعن شغفه بالطرب.

يقول فيها:              

الفنُّ  روضٌ  أنيق  غيرُ مسئوم         وأنتِ  بلبُلُه، يا أمَّ كُلثوم  

يا أم كلثومَ، غني فالهوى  نغمُ          تلَذُّه الشيبُ والشبانُ كلهمُ  

من أجل صوت رخيم منك يسمعه    يا أم كلثومَ جاء الجمع يزدحم

غني وغني على الأوتار صادحةً        فإنما بالأغاني تنهضُ الأممُ 

ويتابع كعادته محرضا الانسان العراقي والعربي على الاهتمام بالدنيا فقط والشبع من ملذاتها، لكي يتسنى له صنع اقداره بيديه. قائلا:

افرَحْ بدنياك، واشبعْ من مشاهِدها     فبعدَها لا ترى شمساً ولا قمرا  

لُمْ منك نفساً أضاعت ويك فُرصتَها   ولا تعاتبْ على ما فاتك القَدرا 

لقد احب الزهاوي وطنه العراق وكان كلما ابتعد عنه جن اليه حنينا والى اهله أنينا:

وطني الذي فيه ولدتُ      هو الذي فيه أبيدُ

عنه، على شغفي به،        أنأى وتُرجعني العهود

أبعدتُ عن وطني وها      أنا ذا الى وطني أعود

فشهقتُ في أحضانه        أبكي كما يبكي الوليدُ

إني إذا احتاجَ العراقُ       فبالحياة له أجود

إن لم أذد أنا عن حقوقٍ    للعراق فمن يزودُ؟

..

يا موطناً قد ذبتُ فيه غراما         أُهدي إليكَ تحيّةً وسلاما


لولاكَ لم أكُ في الوجود ولم أشِمْ     بَلَجَ الصباحِ وأسمعِ الأنغاما


أفديكَ من وطنٍ نشأتُ بأرضهِ       ومرحتُ فيه يافعاً وغلاما

 
ما كنتَ إلا روضةً مطلولةً           تحوي الورودَ وتفتقُ الأكماما


غازلتُ منها في الغُدوّ بنفسَجاً       وشممتُ منها في الأصيل خُزامى

 
وسعدتُ ألعب فوق أرضكَ ناشئاً   وشقيتُ شيخاً لا يطيق قياما

..

ويلٌ لأمةٍ بعد الوفاقِ تخالفت،        فتقطعت لخِلافِها أوصالُها  

من كلِّ عاصمةِ الرشيد لأهلها       لم يبقَ إلا طيفُها وخيالُها

عاثت بِها فتاكةً أبناؤُها،              فكأنَّما أبناؤها أغوالُها

لم يبقَ عند بني العراق سوى المنى     أما المنى فطويلةٌ آجالُها

..

وكأنه يتنبأ بالمأساة الرهيبة التي حلت في العراق حيث يقول:

يا قومَنا لا نفعَ في أحلامِكمْ       فخُذوا الحقائقَ وانبذوا الأحلاما

 
أخشى عليكم في الحياة تدهوراً   فيه الرؤوسُ تُقبِّل الأقداما

ويتابع بطريقة ملفتة للنظر وكانه يثقب بنظره المستقبل بعشرات السنوات من عمر العراق. حيث يقول:

قد اسودَ ليلُ الظلمِ حتى كأنَّهُ          ستارٌ على الأرضِ الفضاءِ سديل

ويا لك من ليلٍ يروعُ كأنما             بكلِ مكانٍ منه يرقبُ غول

وقد قرَّ حتى قلتُ قد جمدَ الدجى      وخلتُ بياضَ الصبحِ ليس يسيلُ

وعسعسَ يرتاعُ الكرى من ظلامهِ      وطالَ وليلُ الخائفينَ يطول

إذِ الوطنُ المأسورُ ينهضُ قائماً             فتَقْعُدُ أغلالٌ به وكبولُ

مضى ما مضى ولا عادَ واليوم فاستمع     الى لهجةِ التاريخِ كيفَ يقولُ

ستُكْتبُ فيه بالدماء حوادثٌ               وتقرأُ للويلاتِ فيه فصولُ

ويذهبُ هذا الجيلُ نِضو شقائهِ            ويأتي سعيدا بالسلامةِ جيلُ

وفي الحكام

كَسَدَت تجارةُ كلِّ شيءٍ عندَهُم        إلا النفاقَ ، فإنه لا يكسَدُ

وفي الشعب

الشعبُ بالقيدِ الثقيل مكبلٌ           حتى يكاد إذا تحركَ يقْعُدُ

..

وقد كان بارعا في وصف المرأة

وجهٌ تفيضُ به الصَّباحةُ       مثلُ زنبقةِ الغداةِ

وحواجبٌ زجٌ تُطلُ          على عيونٍ ناعسات

وفمٌ جميلٌ فوقهُ               انفٌ يزينُ الوجهَ ناتي

والجيدُ اتلعُ مثلما            شاهدتَ في ظَبي الفَلاةِ

اما القوامُ فانهُ                لدنٌ كَعاليةِ القناةِ

..

وكالكثيرين من العلماء والفلاسفة العظماء والشعراء العمالقة اضطرب الإيمان الموروث عند الزهاوي ليتحول الى شك وبحث عن الحقيقة ادى الى الالحاد التام معبرا عن ذلك بثورة متوقدة عارمة على الفكر الديني التقليدي الاستبدادي توجها في السبعين من عمرة بملحة شعرية من 435 بيتا من الشعر على وزن وقافيه واحدة ونشرها سنة 1929 بعنوان "ثورة في الجحيم" . حيث تقع حرب طاحنة بين اهل النار الثائرين على اهل النور أي ملائكة الجنة. 

سأقدم فقط وصفه للملاكين منكر ونكير بطريقة زهاوية هزلية كاريكاتورية متهكمة لا تخلو من السخرية بعد أن ايقظاه في القبر من الموت

لهما وجهان ابتنت فيهما           الشَّرةُ عُشَّاً كلاهما قِمطريرُ

ولكلٍّ انفٌ غليظٌ طويلٌ            هو كالقرنِ بالنطاح جديرُ

وبأديهما أفاعٍ غلاظٌ               تتلوى محفوفةً وتدورٌ

والى العيونِ  ترسلُ ناراً            شرُّها من وميضِها مستطيرُ

كنت في رقدةٍ بقبري الى ان       ايقظاني منها وعاد الشعورُ

وبعد نشر القصيدة الملحمة رفع الناقمون الامر الى الملك فيصل الأول، فاستدعى الزهاوي ولامه على فعلته. فصاح الشاعر قائلا: وماذا اصنع يا سيدي! عجزت عن اضرام الثورة في الارض فاضرمتها في السماء. بحث وتقييم وتحقيق وتعليق من سعيد علم الدين. 

 

 

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها