اقرأ المزيد...

سعيد علم الدين

 كاتب لبناني. برلين

09.11.25

الإسلامُ السِّياسِيُّ والسُّقوطُ المدَّوي(6) الاخير


أردت أَن انهي هذه السلسلة بكلمة أخيرة أعلن فيها مجددا احترامي الكامل للدين الإسلامي. كيف لا فهو تراثي وتاريخي ودين اهلي واجدادي وأمتي.
ولكن احترامي له ولهم ولها لن يكون على حساب قناعاتي ورؤيتي للحياة ونظرتي للكون وافكاري حتى ولو وضعوا درب التبانة في يميني وماجلان الكبرى واختها الصغرى في يساري.
حتى ولو وضعوا فوقهم بقية المجرات الكونية المعروفة والغير معروفة، والمكتشفة والغير مكتشفة بعد، والتي ستكتشف لاحقا، فلن يستطيع أحد أن يمنعني من انتقاد كل ما اراه ورما خبيثا لا بد من استئصاله، ومرضا عضَّالا لا بد من مداواته، وعِللا مستحكمةً في المفاصل لا بد من معالجتها، وعقدا لا بد من حلها، ومغلوطات لا بد من تصحيحها، وأخطاءً لا يمكن السكوت عنها، ومقولات لا بد من كشف حقيقة صحتها، وثوابت تحتاج الى نفض الغبار عنها، لكي لا تتهاوى تحت ركام غبار الأيام، ومقدسات تحتاج الى القاء الضوء عليها، وكلمة حرة جريئة لا بد من قولها.
هذا بالتأكيد سيغضب الكثيرين الكثيرين من الوارثين للإسلام عصبية وعشائرية وغوغائيةً وتطرفا وتعصبا وتزمتا، المريضين في قلوبهم، إلا أنه سيرضي بالتأكيد المسلمين المؤمنين الصادقين الغيارى على النهوض بالاسلام ومجتمعاته الى العلى، والاهم انه سيرضي أجدادي الحزينين في عالمهم الآخر على رؤية ما يحصل في مجتمعاتنا من مأس ونكبات وهزائم ودمار واستبداد واستهتار بجوهر الاسلام والتعلق بالقشور والمظاهر والشكليات فقط، متألمة أرواحهم على ما حل بأحفادهم من تخلف وتأخر وفتن وقمع وانقسامات وخصام وذل في الوقوف اياما امام السفارات، وهروب عبر البحار ، وغرق وموت واندثار، وتشرد لا نهاية له في كل بقاع الأرض.
فالثوابت التي يتغنى بها الاسلام السياسي ليل نهار لم توجد لتكون اصناما جامدة، وانما هي جزء من هذه الحياة التي نتخبط بها وتتخبط ثوابتنا معنا أمام أعين العالم أجمع.
والثوابت لم توجد لتسحق انسانها.
وماذا يبقى لها بعد سحقه سوى انهيارها على رأسه عاجلا ام آجلا!
نحن من يدفع الاثمان الغالية جدا من جيبنا ودمائنا وأرواحنا وطاقاتنا وحاضرنا ومستقبل أجيالنا.
الثوابت لا تدفع شيئا من جيبها. فهي لا جيب عندها.
نحن الخاسرون والثوابت ليس عندها شيء لتخسره!
والاسلام عندما يريد فرض ثوابته وشمولياته على المجتمع دون ان يتطور مع الحياة ويطورها. عندها سيتناقض حتما مع تطور المجتمعات وسيظل في صراع غير مجدي معها، ويتخلف بالتالي عن اللحاق بالمجتمعات المتقدمة. والخاسر الأكبر في النهاية هو نحن بما نمثله من دين وقيم ومبادئ وأخلاق في هذا العالم.
فلا يكفي ان نقول الاسلام صالح لكل زمان ومكان وعند التطبيق هو في صراع وجودي مع الزمان والمكان.
وعندما نقول ان الاسلام صالح لكل زمان ومكان. يجب علينا بالتالي ان لا نعمل على تجميده في غابر الأزمنة والأمكنة، وإنما على تطويره ليتأقلم مع الزمان والمكان وتطور المجتمعات.
لسبب بسيط جدا. وهو أن الزمان والمكان والمجتمع في تحرك دائم. والاسلام عندما نريد له ان يقف ثابتا بوجه هذا التحرك فستكون النتيجة صراع حتمي مع الزمان والمكان يؤدي بمجتمعاتنا الى دفع غالي الاثمان التي اشرنا اليها من تخلف وتشرد واندحار.
فلا الزمان سيجمد لحظة واحدة فهو يسير دوما الى الامام كعقارب الساعة التي لا يمكن ان تنام، ولا يمكن ان يعود كرمى لعيوننا وعيون اسلامنا السياسي ولا حتى جزء من الثانية الى الوراء.
ولا المكان يبقى في مكانه امام تقليص المسافات، التي قربت الأمكنة من بعضها فتحوَّلت بفعل العلم الحديث ليست فقط الكرة الارضية الواسعة الارجاء الى قرية صغيرة نصل أماكنها البعيدة آلاف الكيلومترات بساعات، بل ايضا اصبحنا على ظهر القمر والكواكب نصنع بالعلم المفيد المكان تلو المكان ونخترق الزمان عبورا الى الكون المليء بالمجرات.
ولا المجتمع سيبقى كما هو امام تحول القرى الصغيرة الى مدن كبيرة وتوسع المدن الى متربولات ضخمة من عشرات الملايين وتطور المجتمعات وتمازج الحضارات.
ولا يكفي ان نقول ان الاسلام دين ودولة وعند التطبيق لا نجد اثرا لهذه الدولة او نراها مشوهة. كدولة طالبان في افغانستان او كدولة ولاية الفقيه في ايران. أو كدويلة حزب الله السيدة المستقلة ومربعاتها المدججة بالسلاح والخارجة عن الشرعية والاخلاق والقيم والقانون في لبنان. وماذا عن السودان والصومال؟
وهل نريد خراب العالم العربي وتدمير المجتمعات الاسلامية؟
ومن هنا اعلن احترامي الكامل للإسلام ورجاله المستنيرين الشجعان كدين يتطور ولا يتحجر، يتقدم ولا يتاخر، يواجه ولا يبرر، يكشف الاخطاء ولا يخفيها تحت السجادة، يحمل بذور الخير والامل والسعادة والبناء والتقدم للبشرية جمعاء لا فرق بين مؤمن وغير مؤمن فالجميع حسب الفكر الاسلامي مخلوقات الله. فلماذا تفرقون؟
وهو القائل في سورة آل عمران:
" إلي مرجِعُكُم فأحكم بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُـونَ" 55.
وإذا كان الله هو الذي يحكم في النهاية بين الناس فبأي حق أنتم تتحكمون بالمجتمع؟ ألا تعتدون بذلك على حدود الله؟
فالمليار مسلم يريدون ان يعيشوا في هذه الحياة سعداء وشركاء مع باقي اخوتهم في الانسانية ويفتخرون بدينهم دين محبة وسلام وتعارف مع الامم الأخرى واحترام للمخالف والآخر وشراكة واخوة واخذ وعطاء.
لقد شوه اتباع الإسلامُ السِّياسِيُّ المادي البحت الدين الإسلامي الروحاني الإيماني الوسطي المعتدل. فالمسلم المؤمن لا يمكن ان يفجر نفسه بين الابرياء ويقتل الأطفال والشيوخ والنساء، لأنه يخاف الله لقيامه بهذا العمل الرهيب المنكر والمخالف لأبسط بديهيات الدين والاخلاق والعقل السليم ولكل ما يمت للانسانية بصلة.
مشكلة أتباع الاسلام السياسي الكبرى إلباس الدين عمامة الحكم والسلطة وصولجان الملك، لكي يجلسون هم باسمه على الكرسي ويستبدون بالمجتمع ويقمعون كل من يخالفهم الرأي.
وفي القرآن لا توجد سورة او حتى اية واحدة تدعو الى النظام السياسي وتشرح ما هو النظام السياسي في الاسلام، كما نظام الإرث والميراث بالتفصيل مشروح في آيات كثيرة.
فهل نظام الإرث والميراث اهم من النظام السياسي؟
أما الشريعة التي يتغنى بها الاسلام السياسي ويعتبرها الترياق لحل كل مشاكل البشرية، فالأفضل لها ولنا ان تبقى في الكتب. لأنها وبكل بساطة لا تليق بإسلام ومسلمي هذا العصر. وهي تقدم للعالم في عصر الاقمار الصناعية والفضائيات والحاسوب واليوتوب صورة مرعبة ومفزعة عن المسلمين والاسلام الذين يرجمون النساء بلا ادنى رحمة حتى الموت كما نقلت الفضائيات عن افغانستان والصومال ويقطعون الايدي والارجل ويجلدون كما حصل في السودان وغيرها.
لقد اثبتت الشريعة بالملموس أنها لا يمكن ان تطبق، وان طبقت فهي ورطة اجتماعية بحد ذاتها تتورطها الدولة التي تطبقها والمجتمع الذي يهلل لها. وهذه ايران طبقتها في بداية ثورتها والان اخذ تطبيقها بالتراخي. وطبقتها باكستان وفشلت وتسببت بخلق ميليشيات طالبان، وطبقتها السودان فتشرذمت بين شمال وجنوب، وطبقتها الصومال ففرط عقد مجتمعها وتفتت دولتها متحولة الى دويلات متصارعة وقبائل متناحرة.
هل نريد صوملة العالم الإسلامي بانهيار دوله وتفتيت مجتمعاته من خلال تطبيق الشريعة؟
ومما يؤكد على ان تطبيق الشريعة هو الشواذ وليس العام، وهو الاستثناء وليس القاعدة، كيف انه من أكثر من ثمان وخمسون دولة اسلامية في العالم لا يطبقها الا دولة بشق النفس او دولتين بفشل ذريع. أما السعودية فلها هنا وضع خاص جدا تاريخيا وتقليديا بحكم طبيعة مجتمعها. رغم ذلك فان تطبيق الشريعة لم يجلب العدالة والاستقرار للمجتمع السعودي الذي يعاني ايضا من امراض اجتماعية كثيرة نسمع عنها بين فترة واخرى من اعمال اغتصاب وغيرها.
والدليل الواضح على فشل الشريعة هو ما حصل في نيجيريا فبعد 10 سنوات على تطبيق الشريعة الاسلامية في 12 ولاية تقع شمال نيجيريا، تراجعت الحماسة لتطبيق الشريعة الاسلامية، وتصاعدت الاتهامات منددة بانتهازية الطبقة السياسية في تلك الولايات، حيث يقول الشيخ آبا كوكي من ولاية كانو والذي ناضل بقوة لتطبيق الشريعة الإسلامية عام 1999 إن الناس تأكدت من الكذب والخبث اللذين يرافقان المتاجرين بالدين وادعائهم تطبيق الشريعة، على حد قوله، وبحسب تقرير إخباري نشر الأحد 8-11-2009.
وتعبيرا عن خيبة أمله استقال آبا كوكي من مقعده في مجلس الشريعة في حكومة كانو معتبرا ان نتائج هذه التجربة كانت جد متواضعة.
هذا اذا كان لها نتائج مفيدة!

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها