اقرأ المزيد...

سعيد علم الدين

 كاتب لبناني. برلين

 08.02.21


ماذا أرادت الملايين أن تقول؟

بلا شك أن المظاهرة المليونية الحضارية الراقية التي قدمها الشعب اللبناني للعالم أجمع، بمختلف طوائفه ومناطقه وشاباته وشبابه الأغر - حتى ولو في الثمانين من العمر- في ساحة الحرية البيروتية في الرابع عشر من شباط رغم المطر المنهمر، جاءت: تجديداً للوفاء، وشوقاً للقاء، وتجسيداً للوحدة الوطنية الحقيقية دون رياء، وتعبيراً حقيقيا عن روح هذا الشعب الخلاق.

هذه الروح التواقةُ إلى الحرية والديمقراطية وثقافة الحياة والأمل والانفتاح والعيش المشترك، وتأكيدا على طموحاته الوطنية الكبرى في قيام دولة العدالة والقانون السيدة على كامل أراضيها دون منازع.

ولهذا فقد كانت هذه المناسبة حدثاً عالميا ذات صدىً وانتصارا رائعا جديداً للبنان الديمقراطي وشعبه الحر، وأكثريته البرلمانية الأبية المناضلة، وللمحكمة الدولية التي قامت أيضا بسبب هذه المناسبة الأليمة، وثقة متجددة بحكومته الشرعية الصامدة في وجه الأقلية المتمردة، وشد على يد رئيسها الأستاذ الكبير فؤاد السنيورة حامل الأمانة بصدق وشهامة.

ولهذا ولا عجب إثر المظاهرة مباشرة أن نسمع من الأمين العام بان كي مون ومن قادة الدول الإصرار على الإسراع في بدأ عمل المحكمة الدولية لوقف الاغتيالات السياسية في هذا البلد، ليس هذا فحسب، بل وزادت فرنسا من مساهمتها في صندوق المحكمة، وأعلنت ألمانيا عن دفع مليون يورو، وضاعف الرئيس الأمريكي بوش مساهمة أمريكا من 7 إلى 14 مليون دولار.

بعيدا عن المحكمة فإن الجموع الشعبية الغفيرة المتدفقة من كل الأرجاء إلى ساحة الشهداء والمنهمرة خيراً كالمطر أرادت أن تقول وبصوت  مجلجل هدَّار:

نعم وألف نعم للإخاء والوحدة الوطنية،

لا وألف لا للتفرقةِ المصطنعة بين الأشقاء والفتنة الدينية والمذهبية!

نعم وألف نعم للولاء فقط للبنان أولا ومصلحة الوطن،

لا وألف لا لمن يولِّي أمره لأهواء الخارج وكالدميةِ البلهاء يُدار، معرضا شعب لبنان لشتى الكوارث والحروبِ والأخطار!

نعم وألف نعم للجيش المفدى الحارس الأمين للوحدة الوطنية حامي الديار ولقوى الأمن الداخلي الساهرة على الاستقرار،

لا وألف لا للأحزاب المسلحة والميليشيات المخربة جميعاً وتحت أي مُسمىً!

نعم لتلاقي أيدي الخير للبناء والعمار تحت ظلال الأرز وسمائه،

لا للعابثين بالأمن والاستقرار ودس الدسائس وحبك المؤامرات وكيد المكائد وتأجيج الفتن!

نعم لانتخاب رئيس وطني جديد حر متحرر من كافة القيود ولاؤه الوحيد للبنان ومصلحة البلاد،

لا للفراغ في كرسي الرئاسة خدمةً للخارج ولمشيئة طاغيةٍ أرعنٍ أو مجرمٍ خسيسٍ أو جلاد!

نعم للدولة اللبنانية السيدة الحرة الديمقراطية المستقلة،

كفى! لا للبنان الساحة المستباحة لحساب الآخرين !

نعم للبنان الرسالة والحضارة والتفتح والتقدم والعلم والمجتمع المدني المنطلق والتنوع والحرية،

لا لدويلة الفقيه الشمولية البائسة السوداوية الشاحبة المراهقة في السياسة ولباقي المربعات الأمنية والدويلات الخارجة عن القانون والشرعية!

نعم للطائف الذي أنهى الحرب المريرة بين اللبنانيين إلى غير رجعة وصار دستورا،

لا لبدعة "الثلث المعطل" اللادستورية واللاديمقراطية والتي إن فرضت على اللبنانيين بالبلطجية ستكون مدخلاً للتعطيل المستمر والابتزاز والمشاكل التي ستؤدي إلى الفوضى والانقسامات والحروب التي أتخمت الشعب اللبناني ودمرت وطنه أكثر من مرة، وسببت له الآلام والهجرة والمآسي دون أن يكون لها أي جدوى في الصراع العربي الإسرائيلي. وكيف سيكون لها جدوى عندما الجميع وفي مقدمتهم النظام السوري يلهثون خانعون وراء السلام وفتح قنوات المفاوضات ووحده لبنان عليه أن يتلقى الضربات لتحسين شروط مفاوضاتهم مع الأعداء.

لقد أرادت الملايين أيضا أن تقول وبصوت مدوٍ لكي يسمع بعض أصحاب السمع الثقيل:

نعم للفخر بلبنان وجيشه البطل، والدولة السيدة المستقلة القادرة القوية وهي كانت كذلك قبل اتفاقية القاهرة عام 69 ولم يسجل أي اختراق إسرائيلي للسيادة للبنانية قبل هذا التاريخ.

لا للفخر بنصرٍ ليس له أثر، وبلبنان الساحة المخترقة المستباحة الذليلة المكبلة المهدورة الحقوق والتي ستكون منبوذة من العرب والعالم أجمع ان تَحَكَّمَ حسن نصر الله ومن ورائه الإرهاب السوري الإيراني بمفاصلها كما يسعى الى ذلك من خلال زرع الفتن وخلق الفوضى والتعدي على المواطنين.

نعم للاستقلال، لا للتبعية والإذلال!

نعم للحرية، لا للاستبداد!

نعم للديمقراطية، لا للدكتاتورية!

نعم للتعددية، لا للشمولية!

نعم للحكومة الشرعية، لا للاعتصام الغير شرعي!

نعم لفتح البرلمان، لا لإغلاقه في وجه النواب!

نعم لاستراتيجية عربية في الصراع العربي الإسرائيلي،

لا لتحميل لبنان المنهك تبعات هذا الصراع وحيداً إلى ما لا نهاية!

نعم للشرعية الدولية وتطبيق كافة قراراتها الخاصة بلبنان،

لا لمحاربة الشرعية الدولية ورفض تنفيذ كامل قراراتها!

نعم للمحكمة وتحقيق العدالة لكي يرتاح لبنان وشعبه من عصابات الاغتيال ومؤامرات الإجرام،

لا لشريعة الغاب وتشريع الاغتيال وتجهيل القاتل وممارسات الارهاب والضلال!

نعم "بدنا نعيش" بكرامة حقيقة كباقي البشر في ظل دولة لبنانية سيدة ديمقراطية عادلة ومستقلة وغير مرتهنة إلا لإرادة شعبها ومصلحته العليا،

لا لكرامة النفاق والتلفيق المزيفة بالكلمات البراقة والنوايا الغشاشة وتمجيد الموت والتهجير والتعتير والماسي وخراب البيوت والكوارث على أنها بطولة وفي الوقت نفسه إظهار الحسرة وعض الأصابع والندامة ومد اليد والشحادة والبحث عن لقمة طعام في كيس القمامة.

وهكذا للمرة الثالثة أكدت غالبية الشعب اللبناني بتظاهرتها المليونية على تمسكها بانتفاضة الاستقلال حتى انتصارها وتحقيق أهدافها، وإجلالها لأرواح شهدائها الميامين.

وستنتصر حتما ثقافة الحياة والأزهار وبناء الوطن والدولة وسيادة القانون ممثلة بأحرار 14 آذار على ثقافة الموت والحروب المفتوحة على دمار الوطن وإبقائه ساحة ودولته مهشمة ومستباحة.

ولهذا فقد صَدَمَت هذه المظاهرة المليونية الحضارية الراقية التي قدمها الشعب اللبناني عصابات الأقلية من زمر 8 آذار فجن جنونها وقامت بأعمال عدوانية مشينة وحاقدة ضد المواطنين الآمنين وبالأخص في بيروت الأبية.

هذا يؤكد تصميم الأقلية على متابعة نهجها التدميري المخرب والمعطل لتعميم ثقافة الموت وفرض إرادتها الرعناء على الشعب العنيد الذي لا ولن ينصاع وقريبا سينتخب الرئيس العتيد.

وصرخت الجماهير في وجه الأشرار المعتدين:

نعم لكرامة أهل بيروت الأباة الأشاوس!

نعم للعنفوان والشهادة والتضحية والفداء والعزة تحت ظلال الدولة السيدة والعلمِ المفدى والجيش البطل وجلال الأرزة.

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها