اقرأ المزيد...

سعيد علم الدين

 كاتب لبناني. برلين

 07.12.03


صداع نصر الله الرئاسي

أن يأتي اليوم العماد ميشال سليمان بإرادة لبنانية خالصة، وطنية صافية، توافقية شفافة، شعبية جامعة، وبأكثرية نيابيةٍ مريحة إلى رئاسة الجمهورية ليس بالأمر السهل، خاصة بعد هذا المخاض العسير والوضع الخطير المفتعل من قبل جماعة "معارضة" المرتهنة للنظامين الإيراني والسوري والتي لا تفهم من اللعبة الديمقراطية البرلمانية إلا ما يخدم مشروعها المشبوه والمشوه للديمقراطية، والمناقض لأحكام الدستور، والمنقلب على النظام والإرادة اللبنانية الخالصة، والوطنية الصافية، والتوافقية الشفافة، والشعبية الجامعة. ولهذا شاهدنا معاقبةَ الشعب اللبناني لهم وذمَّهُ لممارساتهم واحتقاره لتصرفاتهم في مقاطعته الصارمة لاحتفالهم بمرور عام على اعتصامهم الفاشل، حيث تحولوا من مئات الألوف السنة الماضية إلى مئات الأشخاص هذه السنة، ومن مشاركة كبار قادة الصفوف الأولى كميشال عون ونعيم قاسم وسليمان فرنجية وغيرهم في افتتاحية الاعتصام السنة الماضية إلى ممثلين صغار عنهم ومن   الصفوف الخلفية كالنائب اللاهي حسين الحاج حسن وعصام أبو جمرة ويوسف سعادة وغيرهم من فراطة أو خردة معارضة.

فالقبول بسليمان ليس سهلا لمن يتلقى أحدث الأسلحة والأموال الطائلة من إيران وسوريا، ولهذا فقبوله مشروط بتلقيه أيضا كلمة السر وفقط كلمة السر هي التي سترغم معارضة على الموافقة على العماد سليمان ، وفي مقدمتها حسن نصر الله الذي وعد عون بالكرسي وعدا صادقاً. وما دامت كلمة السر لم تأت بعد فسنستمع يوميا إلى تعجيزات وعراقيل توضع في وجه الحل لكي يسيطر الفراغ ويظل الوضع اللبناني أسير القرار الإيراني. فالسوري في هذا الصدد أصبح تابعا للإيراني من دون أدنى شك. وهكذا هرول مسرعا نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد من مؤتمر أنابولس الى طهران حاملا رسالة تبرير وتوضيح للمشاركة السورية في المؤتمر من رئيسه الى رئيس النظام الايراني احمدي نجاد لطمأنته بأن سوريا ما زالت سوريا وهي تلعب فقط كعادتها على الحبلين. ما معناه إذا لم تحصل على مبتغاها من الحبل الأمريكي المكروه فهي متمسكة بالحبل الإيراني المحبوب.

هذا ولقد كان ترشيح قوى 14 آذار لسليمان موفقا. كيف لا والفرق كبير جدا في كيف يأتي سليمان اليوم بإرادة لبنانية إلى سدة الرئاسة وكيف أتى لحود عام 98 بإرادة الوصاية السورية الغاشمة حيث عينه حافظ الأسد في هذا المنصب المرموق مكافأة له على طرد غريمه ميشال عون من لبنان، فاتحا بذلك للنظام السوري طريق بعبدا ليحتل الأسد الأب قصر الرئاسة واليرزة ولبنان بالكامل. ومدد له بشار الابن مكافأةً له على خنوعه التام للقرار السوري على حساب المصلحة اللبنانية.

حتى أن المأخذين الصغيرين على العماد سليمان بالنسبة لتأخره بردع مجموعات معارضة المنفلتة يومي 23 و 25 كانون ثاني، وبالنسبة لتبرئته النظام السوري من أحداث نهر البارد، فما يخص الأول ربما هو معذور بسبب الاختراقات في الجيش والتأثيرات على حركته من قبل الحزب اللاهي وعون الزاهي ولحود الواهي ومَنْ وراء الحدود من  دواهي، أما فيما يخص المأخذ الثاني فكلامه جاء للاستهلاك المحلي إرضاء لسورية. وذلك لأن محاكمة مجرمي "فتح الاسلام" ستكشف إذا جرت بتجرد ونزاهة دور النظام السوري في تخريب الأمن والاستقرار في لبنان والتآمر على وحدته من خلال خلق مشكلة نهر البارد.

هذان المأخذان لا يستقيمان أمام الكم الهائل من حياده الإيجابي ومنذ شباط 2004 حتى اليوم. أهمها تآخي الجيش مع الشعب في 14 آذار، ردع المخلين بالأمن في كل لبنان بتدخل الجيش السريع لفصل المتخاصمين والحفاظ على النظام، وما يشهد له أيضا موقفه الوطني في حرب تموز، وموقفه الداعم للحكومة بقيادة بطل الاستقلال الثاني الأستاذ فؤاد السنيورة.  

يكفي العماد سليمان فخراً أن تاريخه ناصع البياض، وغير ملطخ لا بالحروب الأهلية كميشال عون، ولا بمؤامرة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري كالعميد ريمون عازار مدير المخابرات السابق في الجيش، ولا بمحاولة عرقلة المحكمة الدولية بثلاثين صفحة من الملاحظات كإميل لحود ولا بغيرها. وهل كان هو أهم من جميل السيد الجبار حامل سيف القائد بشار على النظام الديمقراطي اللبناني. ولو كان العماد سليمان من أركان النظام الأمني البائد لكان اليوم في المكان الذي هم فيه الضباط الأربعة.

لقد وضعت مبادرة قوى الأكثرية ومرونتهم في تعديل الدستور لمصلحة الوطن جميع القيادات اللبنانية على المحك وأحرجت جماعات معارضة المرتبكة.

ولهذا فالطباخ الماهر الأستاذ بري محرج ومتفاهم ومتناغم ومتشائل، أي متفائل ومتشائم ، أي مسرور وغير مسرور وينتظر موافقة ميشال عون الذي خَرَّفَ بوثيقته متخبطاً شملا يمينا لاغيا العيش المشترك والدستور.

وينتظر أيضا موافقة حسن نصر الله المصاب حاليا بسبب ترشيح العماد سليمان بصداع شديد في الرأس، وللأسباب التالية:

1 – هو حسن نصر الله الذي استطاع استدراج إسرائيل للحرب في تموز وبسهولة عاجز حتى اليوم عن استدراج قوى 14 آذار إلى أي فخ ينصبه لها. وبدل هي أن تنتخب روبير غانم أو بطرس حرب أو نسيب لحود بالنصف زائدا واحدا لتعطيه المبرر لخراب البلد نصبت له الفخ بترشيحها العماد سليمان المرضي عنه سوريا وإلهيا، أي جاءته من حيث لم يحتسب.

2- وهو الذي وعد ميشال عون وعدا صادقا بكرسي الرئاسة خلفا للحود قائلة له: حطها بالجيبة يا أبو الميش! وهل ممكن أن يتراجع الجنرال أمام الشاويش؟

3 - وهو الذي يريد الفراغ أطول مدة ممكنة في رئاسة الجمهورية ليعطل الدولة أكثر ويشل المؤسسات نهائيا ويوتر الأوضاع ويشحن الغرائز الطائفية من خلال أبواقه مما سيؤدي عاجلا أم آجلا إلى الانفجار الذي سيستغله حتما للانقضاض على الدولة وفرسنتها.

4- ما تسبب بصداعه الشديد أيضا عقلانية جنبلاط وتراجعه عن مواقف سابقة، بالنسبة لمجيء عسكري ولتعديل الدستور، في سبيل السلم الأهلي ولكي لا يقدم أي ذريعة لقوى الإرهاب المتربصة بلبنان من كل الجهات من ناحية، ومن ناحية أخرى لا يريد نصر الله معاداة الجيش الذي وقف إلى جانب المقاومة ولم يتخل عنها رغم كل الظروف وقدم في حرب تموز أكثر من خمسين شهيدا ومئات الجرحى. إن الوعي الكامل لقوى 14 آذار لما يخطط للبنان ويطبخ من مؤامرات وحكمتها في التعامل مع المستجدات هو الذي سيؤدي في النهاية إلى تحقيق أهداف ثورة الأرز وقيام دولة الحرية والديمقراطية والقانون والعدالة والمؤسسات الدستورية، وإلا فستحكم لبنان شريعة الغاب وعصابات الإرهاب!

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها