اقرأ المزيد...

سعيد علم الدين

 كاتب لبناني. برلين

07.10.29

 


رد على النائبِ المسْتَنفَرِ ميشال عون

لبنان سفينةٌ تتخبطُ في بحرٍ شرق أوسطي ودوليٍ خطرٍٍ هائجٍ تتقاذفها أمواج النظام السوري الإرهابية العاتية من ناحية وعواصف النظام الإيراني النووية المدمرة وبشكل مكثف هذه الأيام الرئاسية من ناحية أخرى. وبدل أن يكون النائب عون أحد البحارة الماهرين ويعمل يداً بيد لإنقاذ السفينة من الغرق والوقوف في وجه الأمواج والعواصف، هو يفعل العكس تماماً. أي يتحالف مع الأمواج والعواصف ويقول لباقي البحارة وفيهم المهرة جدا: إما أن أكون أنا ربانكم الوحيد وإما الغرق الأكيد. أي عليَّ وعلى لبناني وأهلي ووطني وكياني، وعند الضرورة سأكون أول الهاربين كما سبقَ وفعلت، ولكن هذه المرة إلى المنفى السوري أو الإيراني.

منذ الانسحاب السوري من لبنان وبشار يحاول إغراق السفينة اللبنانية: بالفوضى والانفجارات، والشهداء والاغتيالات، والفتن والمظاهرات، والشلل والاعتصامات، والدماء والدمار والحروب ليثبت للبنانيين والعرب والعالم أجمع أن المحكمة الدولية لن تمر ولبنان بدون اليد السورية لن يستقر. هو قال ذلك علناً. والانتهازي عون ينتهز الوضع المأساوي المفتعل الذي يمر به لبنان ليصبح رئيسا لجمهورية إلهية شمولية ظلامية تظللها اليد البعثية والإيرانية وتحكمها شريعة الغاب.

ولهذا فأطل عون المستنفر من شرفة منزله على اللبنانيين أمام وفد من أبناء قضاء عاليه زاره في الرابية يوم 27 أكتوبر. قال وما أدراك ماذا قال! وليته ما قال! حيث أكد مرة أخرى بأنه مستعد أن يدوس على المبادئ والقيم والأخلاق، ويشوه الحقائق ويخلط الحصى بالعجين ويخبزه خبزا عونيا أورنجيا مدمراً ليكسِّرَ به أسنان اللبنانيين، في سبيل الوصول إلى الكرسي بدعم حزب إلهي استكباري عنيد بالباطل لا يلين والقعود عليها على الطريقة اللحودية أي أكثر من ست سنين.

سنفند لعون المستنفر أقواله كما جاءت في خطابه.

هو يقول في اتهام باطل للحكومة ليس له أساس: "أن هناك استمرار في عملية السطو على السلطة من خلال مواقف فيها نوع من الإعتداء وخرق للدستور والقوانين وخرق للقواعد التقليدية لممارسة السلطة في لبنان".

كلامه هذا مناقض لأبسط بديهيات الحقيقة. فالانتخابات التي شارك بها شخصياً والتي ينتقدها حالياً: هي التي أفرزت ديمقراطيا وتحت إشراف مراقبين دوليين مستقلين هذه السلطة الشرعية التي قامت حسب الدستور والأصول وبعد استشارات أجراها رئيس التمديد لحود مع الكتل النيابية تمت على نتيجتها تسمية الاستاذ فؤاد السنيورة، الذي حصلت حكومته على ثقة البرلمان الكاملة والمستمرة حتى اليوم.

فالذي يحاول هنا السطو على السلطة ومخالفة الدستور وخرق القوانين ومخالفة التقاليد وعدم الأخذ بالأصول هو عون وحلفائه في كل ما قاموا ويقيمون به من فتن كما حصل يومي 23 و25 كانون ثاني وأعمال مشينة كهذا الاعتصام الفاشل في قلب بيروت الذي يعبر عن غباء القائمين به. 

لو كان عون حقا صادقا في نقده وانتقاده للقانون الانتخابي وليس منافقاً لما شارك يومها ولاحترم نفسه وقعد في رابيته وقاطع الانتخابات احتجاجا. أما أن يأتي اليوم ويتباكى حول القانون المجحف بحقه فهذا نفاق ساطع وكذب قاطع واستخفاف فاقع بعقول اللبنانيين.

ولا نريد للبنان رئيسا منافقاً يستخف بعقولنا! 

هو يقول "سنة 1969 حصل إتفاق القاهرة وهنا تشرعنت العملية الفلسطينية على أرض لبنان وكان أكبر خطأ تاريخي".

هذا كلام مغالط ومجحف بحق الحقيقة التاريخية. لأنه ينسى في حُكْمه المتسرع هذا العوامل المؤثرة، والظروف الضاغطة، والمعطيات القاهرة التي مر بها البلد وأدت إلى هذا الاتفاق. أهمها انقسام حاد في لبنان بين من رفع شعار "وطني دائما على حق" كسليمان فرنجية الجد، وبين من رفع شعار "سنحمي العمل الفدائي بالروح والدم" من الجانب المواجه والمدعوم سوريا. حيث أدى هذا الانقسام إلى اعتكاف رئيس الحكومة آنذاك رشيد كرامي 7 أشهر بضغوط سورية مسببا بذلك شللا حكوميا ومأزقا دستوريا كان لا بد من الخروج منه، فكان اتفاق القاهرة الذي رعاه الرئيس الراحل عبد الناصر كمخرج وحيد لحل الأزمة. ومن هنا فليس صحيحا عندما يقول عون ان ذلك "كان أكبر خطأ تاريخي" ولكن الأصح أنه وقتها لم يكن هناك حل آخر ممكن ليوحد اللبنانيين. اليوم الشعب اللبناني بجميع طوائفه دفع ثمن ذلك الاتفاق المشؤوم مئات الآلاف من الشهداء وتوحد بأبهى صورة الحضارية بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في 14 آذار المبارك. ما يحصل اليوم بسبب تصرفات عون والحزب اللاهي وباقي العملاء الصغار هو انقسام وهمي مصطنع خدمة لسياسة بشار وليس انقسام حقيقي بين اللبنانيين.

المطلوب اليوم من "معارضة" المفلسة أخلاقيا إظهار اللبنانيين بأنهم منقسمون ولا تجمعهم إلا يد بشار الحنونة. 

هو يقول: "ولم يستطيعوا عندها القضاء علي إلا بإتفاق الطائف" .

ينسى عون هنا بأن الحروب كلها تنتهي باتفاق سلام أو استسلام. ومن هنا فقد كان اتفاق الطائف اتفاق سلام لإنهاء الحروب بين اللبنانيين التي استعرت بسبب تدخلات أفاعي النظام السوري حليف عون اليوم.

هو يقول: " فلا يستطيع أحد أن يكون زعيم روحي وزعيم سياسي في الوقت عينه، لأن الواجبات تختلف فواحد يهتم بشؤون السماء وآخر يهتم بشؤون الدنيا، وكلٌ لديه إختصاصه".

هذا الكلام يناقض تصرفات وممارسات قائله. لأنه لو كان حقا صادقا فيما يقول لرفض التحالف مع الزعيم الروحي والسياسي حسن نصر الله. أي هو ينتقد والانتقاد يسري عليه قبل غيره. فعليه أن ينتقد نفسه قبل الآخرين ويصلح من أمره قبل أن يتحول إلى كركوز عصره.

هو يقول " فرضوا علينا قانون إنتخابي سنة 2000 قانون غير دستوري وغير قانوني" .

وهل أيضا وجَّهوا المسدس إلى رأسك وفرضوا عليك الترشيح والمشاركة في الانتخابات أم انك اخترتها بشراهة ما بعدها شراهة كما حصل في انتخابات المتن؟

من يعتبر أن القانون الانتخابي مفروض عليه ومجحف وغير دستوري فلا يشارك من الأساس لو كان حقا صاحب مبدأ وموقف وليس بائع مبادئ وتاجر مواقف، ومهرج سياسي!

ومن هنا فكل من شارك في الانتخابات بقانون إل 2000 ترشيحا وانتخابا بحريةٍ، يعني ذلك هو راضٍ بالقانون وبنتائجه في الربح والخسارة ولا يستطيع بعد ذلك ان يشكي ويبكي كالرضع وقد فقدوا مصاصتهم.

هو يقول" في قانون الإنتخاب تم تحجيمنا للثلث، فجئنا لنتمثل في السلطة فتحول الثلث الى السدس".

وكأنه يريد أن يحصد 99% من عدد النواب على الطريقة الشمولية السورية لكي يرتوي عطشه ويكون سعيدا! وإلا سيستولي على السلطة بالانقلاب على الديمقراطية.

للتذكير انتخابات المتن التي أنزلته إلى أكثر من ثلاثين ألف درجة تحت الزنار. عرته مسيحيا وأكدت بشكل قاطع بأنه تحول من تسونامي 70% عام 2005 إلى موجة صغيرة فازت ب 400 صوت بمساعدة الحزب اللاهي والمخابرات السورية وباقي الأتباع عام 2007.  

هو يقول:" ولما رأوا ان الطعون سوف تربح ألغوا المحكمة ( أي المجلس الدستوري)".

هذه كذبة أكبر من كبيرة، لأن المجلس الدستوري عطله لحود، لعدم توقيعه المراسيم بحجة أن الحكومة غير شرعية.

هو يفرض نفسه على الشركاء من الطوائف الأخرى كأنه الزعيم المسيحي الأوحد عندما يقول" أما رئيس المسيحيين فيجب أن يكون اي كان إلا الزعيم".

ولهذا إذا لم يختاروه الآخرون وينصبوه رئيسا رغم أنفهم فهو يهدد بالتقسيم عندما يقول: " يفرضون علينا أي شيء وقد يكون تقسيم الوطن". وهو يهدد بالتالي بالتوطين وبإلغاء لبنان من أساسه ويبشر ب " هجرة واسعة".  إذا لم ينتخبوه رئيساً.

هو يتبجح مغرورا عندما يقول: "نحن من غيّر السياسات الخارجية لتدعم لبنان فحصل تلاقٍ بين الإرادة اللبنانية والإرادة الدولية حتى تم الانسحاب".

هو ينسى هنا عملية الاغتيال التي هزت العالم وليس فقط بيروت في 14 شباط ومظاهرة 14 آذار المليونية. فقط هذان الحدثان العظيمان المفصليان هما من أخرجا قوات الاحتلال السوري من لبنان.

هو يقول: " اقترحنا أولاً حكومة وحدة وطنية، وهذا الشيء ملزم في كل دول العالم حين يحصل انقسام كبير ضمن الشعب. فإما تشكيل حكومة وحدة وطنية مثل ما حصل في إيطاليا وألمانيا مؤخراً".

هذا كلام مغلوط وغير صحيح ويدل على ضعف معلومات صاحبه! لأن في لبنان توجد أكثرية عددية من قوى 14 آذار قادرة على الحكم بسهولة أما في ألمانيا مثلا فلا توجد هذه الأكثرية. من هنا لا بد للأحزاب من التحالف أو الدعوة لانتخابات جديدة. التحالف هنا لا يعني حكومة وحدة وطنية بقدر ما يعني تحقيق إرادة الناخب التي فرضت نفسها على الأحزاب، لأنه أعطى أصواته بالتساوي أو بشكل لا يوجد حزب واحد أو تكتل متجانس يملك أكثرية عددية ليحكم البلد.

عون ينزل ليس فقط إلى تحت الزنار بل أيضا إلى أرض الحضيض وقعر الإفلاس الوطني ولا يخجل عندما يستهزئ بالحكومة والأكثرية النيابية، اللذان قدما خيرة الشهداء من أجل لبنان وسيادته واستقلاله وديمقراطية، قائلا: " فلم لا يتكلمون عن اعتصام الحكومة "الزاربة" نفسها في السراي والنواب "الزاربين" أنفسهم في فندق؟

هذا الكلام لا يقوله إنسان عاقلا يملك إحساسا وشعورا وإدراكا لمآسي الوطن وتضحيات الآخرين. حقا لقد فقد عون الميزانية!

أما المحكمة الدولية فإنه لا يذكرها بكلمة واحدة لأنه يعرف أنه بذلك سيغيظ حسن نصر الله وبشار وقنديل وواكيم وسليمان فرنجية ... الخ. رغم أنه يقول: " إغتيال بشير جميل، إغتيال رينيه معوض، كل واحد كانوا يجدون له سببا لإغتياله ويختفي القاتل، والآن قد يختفي كل الذين قتلوا، لأن اللعبة ما زالت كما هي ولم تتغير".

وكيف ستتغير اللعبة القاتلة بوجود حلفائك يا استاذ عون؟ هؤلاء الذين وزعوا الحلوى يوم استشهاد جبران، وهنؤوا بعضهم على محطة الإستيز نبيه على الهواء يوم اغتيال زميلك الشهيد وليد عيدو، وأغلقوا البرلمان لكي لا تتغير اللعبة! 

أكتفي بهذا القدر احتراما للحكومة الصامدة في وجه الأمواج العاتية والأكثرية المناضلة في وجه العواصف المدمرة، وأيضا إجلالا لأرواح شهداء انتفاضة الاستقلال.

سعيد علم الدين.

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها