الكلدان الآشوريون السريان شعب واحد  يسمى بالشعب الآرامي

 

اقرأ المزيد...

 

 

 

 

 

   الدكتور: محمد مسلم الحسيني

بروكسل


قمة أوربية جديدة في ظل الأزمات....  

   081214 

عقد في بروكسل مؤتمر القمة الدوري لدول الإتحاد الأوربي في الفترة بين 11 الى 12 كانون أول (ديسمبر) الجاري وسط خضم من المشكلات والظروف الصعبة التي تمر فيها أوربا حاليا. تنتهي القيادة الفرنسية لدول الإتحاد نهاية هذا الشهر وتستلم حكومة التشيك هذه القيادة وهي أمام محن ومشكلات ليست سهلة، عليها أن تتعامل معها بحكمة وإجتهاد وحزم.    

   المشكلات التي تواجه أوربا كثيرة ومتشعبة إلاّ أن الذي يطفو منها على السطح والذي يتطلب معالجة عاجلة وحاسمة هو الأزمة المالية التي ضربت المؤسسات المالية الأوربية وتصاحبت مع ركود إقتصادي حاد أصاب البنية الإقتصادية الأوربية وأقض مضجعها. على أوربا أيضا  إقرار خطة تتضمن إلتزام دولها بإجراءات واضحة من شانها خفض إنبعاثات الغازات التي تؤدي الى الإحتباس الحراري ، كما عليها أيضا التعامل بشكل جدي مع الـ (لا) الإيرلندية للدستور الأوربي المحسن وحسم هذه المسألة، إضافة الى قضايا أخرى تتضمن مشكلات أوربا مع دول العالم الخارجي والقيادة الضعيفة لأوربا من قبل جمهورية التشيك الفتية للدورة القادمة .

1- الأزمة المالية والركود الإقتصادي : منذ أن أعلن البنك الأمريكي " ليمان براذورز" إفلاسه بدأت البنوك الأوربية بالإهتزاز والترنح جراء الخسائر التي منيت بها من جهة وجراء فقدان ثقة الشارع الأوربي والمستثمرين بشكل عام  بالمؤسسات المالية العالمية. هذه الهزات العنيفة التي كانت كافية لإسقاط أكبر المؤسسات المالية الأوربية قد إستدعت تدخلا مباشرا وسريعا لحكومات دول الإتحاد من أجل الوقوف الحازم وردع الصدع ومنع سقوط هذه المؤسسات مهما كلف الأمر. صاحب هذه الأزمة المالية ركود إقتصادي بدأ شبحه يخيف الشارع الأوربي ويثير شكوكه مما يتطلب ستراتيجية أوربية شاملة  وواضحة من أجل الوقوف الحازم أمام هذا الشبح المخيف وتحصين الذات منه.                                                                                                            

لقد تصرفت دول الإتحاد الأوربي أمام الأزمة المالية بشكل منفصل عن بعضها أكثر مما عملته بشكل جماعي لحل هذه المشكلة، تصرفت بشكل يشبه تصرف ركاب سفينة غرقت بسبب أمواج عاتية فكان كل راكب من ركابها منشغل في تخليص نفسه من الغرق وسط بحر متلاطم. هذا التقوقع على النفس أمام المحن الكبرى هو ليس منهجا يقره أو يرتضيه الإتحاد الأوربي لنفسه، لأنه يتعارض مع روح الإتحاد وجوهره مما يحتم إجراء دراسة وتنسيق مشترك وتعاون بناء بين دول الإتحاد لإخماد الحرائق بشكل مشترك حال حصولها. لايتوقع المراقب للأوضاع نجاح الأوربيين، وعلى الأقل في الوقت الحاضر، من أن يقيموا نظاما ماليا راسخا يحمي مؤسسات دول الإتحاد المالية من هزات غير طبيعية أخرى في المستقبل القريب على أقل تقدير.    

الأمر الذي نجحت به دول الإتحاد من خلال هذه القمة هو إقرار برنامج تحفيز إقتصادي مدعوم يتم من خلاله إعداد حزمة للتحفيز الإقتصادي الأوربي بقيمة 200 مليار يورو، مما يعتبره المحللون ردة فعل أوربية مشتركة وتحرك  منتظر يوحي بوجود الكيان الأوربي الموحد من خلال تصديه للمحن والمصاعب التي تواجهه وإن كانت هذه البادرة  دون المستوى المطلوب.  

2- معالجة الإحتباس الحراري : رغم الإختلافات الموجودة في وجهات النظر بشان الإقتراحات الأوربية الخاصة بتقليص إنبعاث الغازات المسببة للإحتباس الحراري فقد تم التوصل الى إقرار خطة تلزم دول الإتحاد بخفض الإنبعاثات الغازية بنسبة 20 في المائة خلال عام 2020 مقارنة بمستوياتها لعام 1990.               

دون شك مستلزمات تقليص الإنبعاثات الغازية تتناقض مع متطلبات الخروج من الركود الإقتصادي وأزمة البطالة وأزمة أسواق المال التي لا تزال ترابض في حصونها. هذا يعني أنه لا بد من إجراء موازنة دقيقة بين المطلبين الصعبين كي لا تحدث خسائر إقتصادية تزيد في الطين بلة. لقد كان التململ لبعض دول الإتحاد واضحا بهذا الشأن، فقد صرحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل قبيل القمة الأوربية لصحيفة " بيلد" بأنها لن توافق على المقترحات الأوربية بشأن المناخ إن عرضت إقتصاد ألمانيا والأيدي العاملة فيها للخطر. كما أن فرنسا وإيطاليا ترى ضرورة حماية صناعاتها من المنافسة الدولية مما يحتم حذو الإقتصاديات العالمية الكبرى حذو أوربا في هذا المجال. ولم تكن بولندا محصنة من آثار الإقتراحات الأوربية بشأن المناخ على إقتصادها إذ أن هذه المقترحات تضاعف أسعار الكهرباء لديها. 

رغم  كل هذه الصعوبات فإن أوربا قد أوحت للدول الصناعية الكبرى الأخرى بأنها عملت شيئا جادا لحماية البيئة مما يجعل العالم ينتظرماذا ستعمل الإقتصاديات العالمية الأخرى في هذا المجال؟ لقد كانت رسالة واضحة من الأوربيين لأمريكا واليابان والصين وسائر الدول الصناعية الأخرى فحواها يقول : لقد وعدنا فأوفينا وسنحقق شيئا من أجل البيئة فماذا ستحققون أنتم؟.                                                                                                         

3- المصادقة على معاهدة لشبونة : حينما رفض الإيرلنديون المصادقة على الدستور الأوربي المنقح خلال الإستفتاء العام الذي جرى في شهر حزيران(يونيو) لهذا العام تعرض المشروع الأوربي الى محنة يتوجب معالجتها والتبصر فيها. عدم مصادقة دولة واحدة من دول الإتحاد  الـ (27) على الدستور المقترح يعني عدم إمكانية تمريره على كافة دول الإتحاد الأخرى أي أن الموافقة على الدستور يجب أن تكون بالإجماع. هذه الحقيقة تحتم على الأيرلنديين أن يصوتوا مرة ثانية في إستفتاء شعبي جديد خلال العام القادم وهذا ما أقرته القمة .     

بعدما أجريت بعض التنقيحات وأعطيت بعض الوعود للإيرلنديين من خلال هذه القمة، يرى المحلل السياسي بأن الإيرلنديين لابد وأن يصوتوا بنعم هذه المرّة للمصادقة على وثيقة لشبونة، حيث أن الثمن سيكون باهضا لو غامر الإيرلنديون ورفضوها مرة ثانية. إيرلندا من الدول المستفيدة إقتصاديا وماديا من هذا الإتحاد وعزلها لنفسها عنه يعني خسارة إقتصادية ومادية لا يستهان بها وإنعزال عن الركب الأوربي السائر والذي لا ينتظر من لم يلحق به. التضحية بالفوائد المادية في وقت حساس وحرج وفي مرحلة ملغومة بالأزمات الإقتصادية والمالية يعتبر إنتحارا إقتصاديا والأوربيون لا يؤمنون بمثل هذا الإنتحار.                              

4- علاقات أوربا مع العالم الخارجي : عدم الإستقرار المالي والإقتصادي في أوربا يحتم عليها أن تسلك سلوكا عقلانيا حكيما أمام الأزمات العالمية وأن تتصف  سياساتها بالمرونة والحنكة وعدم التهور، لأن ظروفها لا تسمح بأي خلل يحصل بهذا الإتجاه. عليها أن تتعامل بحكمة وصبر بشأن النزاع الروسي-  الجورجي كي لا تتأزم الحالة وتكبر دائرة الأعداء ، خصوصا مع دولة كبيرة مثل روسيا. من نفس المنطلق ينطبق سلوكها في علاقاتها مع الصين التي بدأت تتخذ حيزا إقتصاديا عالميا لا يستهان به. ليس من صالح أوربا التحرش بالصين والتدخل في شؤونها الداخلية، بل عليها أن تمد الجسور معها وتخلق بيئة سياسية حسنة تؤثر إيجابا على تعاملاتها الإقتصادية مع هذا العملاق الإقتصادي الصاعد. كما أنه لا يخفى على أحد بأن معالجة الملف النووي الإيراني يجب أن يتسم بالتروي والتدبير ، فما على أوربا إلاّ أن تمنع أي تصعيد عسكري محتمل قد تقوم به إسرائيل أو أمريكا مع إيران وأن تجعل الدبلوماسية الناجحة هي الطريق الأوفق لحل مشكلات العالم ، بعد أن أثبتت التجارب فشل إستخدام أسلوب القوة  ولغة السلاح.  

5- القيادة الأوربية : في الأول من شهر كانون الثاني ( يناير) للعام القادم ستصبح جمهورية التشيك قائدة لأوربا وتتخلى فرنسا عن هذه القيادة مما يثير حفيظة تساؤلات بعض المراقبين. لقد ابلى ساركوزي بلاءا حسنا في المحن التي واجهت أوربا خلال فترة رئاسته لدول الإتحاد حتى لقب من قبل بعض الأوساط الإعلامية  بأنه سيّد أوربا  بل سيّد العالم بعد أن تهاوى نجم الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بسبب أخطائه وتهوره.  

نجح ساركوزي في إيقاف الحرب الروسية- الجورجية من جهة وأستمر في إحتواء هذا المأزق بكل فصوله ورفض توسيع ساحة الصراع مع روسيا بل حاول إحتواء الأزمة وإيقاف تداعياتها. كما أنه نجح في السيطرة على ملابسات الأزمة المالية التي ضربت أوربا وعمل الكثير من أجل إيقاف تداعيات هذه الأزمة وإحتوائها. وقد نجح ساركوزي في تمرير الدستور الأوربي المنقح حيث صادق عليه الأغلبية الساحقة لقادة دول الإتحاد. فوق كل هذا وذاك فأن ساركوزي تميز بحيويته ونشاطه وعلاقاته الدولية الممتدة التي من خلالها أستطاع أن ينشيء ما يسمى بـ ( إتحاد من أجل المتوسط) وغير ذلك من المشاريع العالمية والأوربية التي ربما لا يستطيع أي زعيم أوربي آخر القيام بها بنفس الزخم والتعجيل. خروج ساركوزي من قيادة أوربا وتسليم هذه القيادة الى دولة فتية من دول الإتحاد وفي ظروف صعبة وحساسة قد يشكل بحد ذاته مشكلة لأوربا.

لقد ذهب البعض الى إقتراح تمديد فترة رئاسة فرنسا لأوربا نتيجة للظروف الإستثنائية التي تمر بها أوربا ونتيجة للقيادة الحكيمة  للرئيس ساركوزي الذي بدوره يطمح أن يدخل التأريخ من خلال عمل إستثنائي لم يسبقه فيه أحد من قبل، فهل سيعود ساركوزي لحكم أوربا من جديد!؟ وهل ستخرج شعوب أوربا تصيح وتهتف : بالروح بالدم نفديك يا ساركو....أم أن عقارب الساعة لا تعود الى الوراء في أوربا ومهما كان الثمن....؟.

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها