الكلدان الآشوريون السريان شعب واحد  يسمى بالشعب الآرامي

راغدة درغاممقالات سابقة للكاتبة

راغدة درغام (ولدت في بيروت سنة 1953) صحفية و محللة سياسية لبنانية-أمريكية تعمل مديرة مكتب جريدة الحياة في نيويورك في مقر هيئة الأمم المتحدة منذ 1989


هجوم دفاعي لإيران للحفاظ على دورها الاقليمي

الجمعة ١٩ أكتوبر ٢٠١٢

مهمٌ إقحام «حزب الله»، بقرار إيراني، في المعركة داخل سورية عبر مقاتلين وعتاد، وفي السعي لتحويل الأنظار عن المعركة السورية عبر إيفاد طائرة بلا طيار تدعى «أيوب» فوق الأراضي الإسرائيلية. هذا يعني ان الجمهورية الإسلامية الإيرانية تلامس الذعر من انهيار دورها الإقليمي عبر البوابة السورية في الوقت الذي لم تصبح فيه جاهزة بعد للاستلقاء مرتاحة على سرير اقتناء القدرات النووية العسكرية على رغم اقترابها من هذا الانجاز. انها مرحلة ما بين – مرحلة احتمال السقوط في الهوّة – ولذلك أتى التصعيد النوعي الذي وقع هذا الأسبوع عندما تبنى «حزب الله» إرسال طائرة الاستطلاع «أيوب» التي أسقطتها إسرائيل متوعدة بالانتقام من الاختراق لأجوائها. إنما الحروب الإيرانية على الساحة العربية لا تنحصر في دور عسكري مباشر لمصلحة النظام وضد المعارضة في سورية انتهاكاً لقرارات دولية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة تمنع طهران من مد السلاح والرجال لأي كان خارج حدودها. ان الظروف الإيرانية تأخذ أيضاً منحى الانخراط الرفيع المستوى – عبر قدرات لبنانية تحديداً – في حرب الـ Cyber Space التي تخوضها من الضاحية الجنوبية – معقل «حزب الله» في بيروت – ضد المصالح الأميركية والعالمية انتقاماً من حروب الغرب وإسرائيل المماثلة على برنامجها النووي. ثم هناك ما أشارت اليه مجلة «دير شبيغل» الألمانية حول خطة لقائد الحرس الثوري الإيراني لإحداث كارثة بيئية في مضيق هرمز لقطع الطريق البحري أمام صادرات النفط وذلك لدب الذعر في الدول الغربية التي تعتمد على النفط الآتي من منطقة الخليج بهدف إجبارها على رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران والتي حقاً تخنقها. إذاً، ان القيادة الإيرانية حبكت إستراتيجية هجوم دفاعي عن ركيزتي تواجدها ووجوديتها: اقتناء القدرة النووية العسكرية التي تجعل من إيران دولة نووية عضواً في نادي الكبار... والاحتفاظ بطموحات الهيمنة الإقليمية بحيث يكون لها دور التأثير والنفوذ الإقليمي داخل دول عربية حيوية تشمل العراق وسورية ولبنان الذي يؤمّن لها جبهة مباشرة مع إسرائيل تستخدمها في حروب النيابة عبر حليفها العضوي «حزب الله». فهل تأتي إستراتيجية الهجوم الدفاعي شهادة على استقواء القيادة الإيرانية وثقتها بأن ضعف الآخرين سيدر عليها بالنووي وبالدور الإقليمي في آن واحد؟ أم ان التطويق الهادئ لهذه القيادة سيحبط «غايات طهران»؟ الجواب في جعبة القيادة الروسية التي باتت الحليف الواضح في المحور الذي يضم الجمهورية الإسلامية الإيرانية و «حزب الله في لبنان» ونظام بشار الأسد في سورية. لكن موسكو أيضاً تائهة في عمق مشاكلها بعدما زجت نفسها في الزاوية وباتت عدو نفسها وليس فقط عدو المعارضة في سورية. وهي بدورها تبحث عن حبل إنقاذ على رغم تعالي رئيسها فلاديمير بوتين وعجرفة وزير خارجيتها سيرغي لافروف – فكلاهما يدرك انهما أدخلا روسيا في معركة خاسرة. الجواب أيضاً في واشنطن.

تلك العصبية القومية التي تعمي رجال الحكم عن التفكير ليست فقط روسية وإنما هي إيرانية وتركية وإسرائيلية. انها دافع للتهور. لكن رجال السلطة يفهمون أيضاً دوافع الانضباط. ورجال السلطة في هذه الرقصة المميتة على أشلاء السوريين يتأرجحون بين الانضباط والتهور في انتظار موعد انتهاء الانتخابات الرئاسية الأميركية، الدولة العظمى الوحيدة في عالم اليوم.

الرئيس باراك أوباما قد يتباهى بانجاز الانضباط حتى درجة الإفراط، لكنه دخل في المرحلة الأخيرة خانة المحاسبة على تردده وانضباطه وتجاهله الوقائع بحجة عدم الرغبة بالتهور. بدأ الكتّاب الكبار الأميركيون في محاسبته على أخطائه الإستراتيجية ليس نحو إيران بالضرورة، إنما بالتأكيد في سورية. جاكسون دييل، المعلق في صحيفة «واشنطن بوست» كتب هذا الأسبوع عن «إخفاق أوباما في إنقاذ سورية وثورتها» وقال ان ما ترتب على سياسة أوباما الخارجية القائمة على الضعف والتخاذل «كارثة إستراتيجية: حرب في قلب الشرق الأوسط تنفث نيرانها على حلفاء حيويين مثل تركيا والأردن وعلى دول الجوار الهشة الاستقرار مثل العراق ولبنان». وتابع: ان أوباما ليس «المسؤول اليتيم» عن الفوضى في سورية لكن «سلسلة حساباته الخاطئة أفضت الى ما لم يرم اليه: تمكين سورية بشار الأسد من الإفلات من طوق عزلة دولة... ومواصلة ذبح شعبها»، مشيراً الى ان غرق الإدارة الأميركية في وهم اعتبار الأسد «إصلاحياً» حمل إدارة أوباما على «الوقوف موقف المتفرج طوال أشهر في وقت كانت قوات الأسد الأمنية تطلق النار على المسيرات السلمية المؤيدة للديموقراطية».

للأسبوعين المقبلين الى حين موعد إجراء الانتخابات الرئاسية الأميركية، يُستبعَد أن تتبنى أية دولة كبرى سياسة مختلفة نوعياً أو جذرياً عن تلك التي اتكأت عليها في الفترة الأخيرة. وما اتكأت عليه الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن هو مهمة الممثل الأممي والعربي، الأخضر الإبراهيمي، الذي قام بجولة على منطقة الشرق الأوسط هذا الأسبوع طالباً من قياداتها توظيف نفوذها وأدوارها في سورية لوقف النار خلال فترة عيد الأضحى.

الإبراهيمي يدرك تماماً ان الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا تختبئ وراء الفيتو المزدوج الثالث الروسي – الصيني كي تبرر عجزها أو تخاذلها. يدرك أيضاً أن العصبية القومية الروسية تحول دون اعتراف بوتين أو لافروف بحدود النفوذ الروسي اما مع النظام في دمشق أو في الساحة السورية الأوسع وإنهما لن يتمكنا من تقرير مصير سورية وكأنها الشيشان. فكلام سيرغي لافروف بأن «الأسد لن يرحل» يجب أن يؤخذ على حجمه وفي إطار محدودية النفوذ الروسي مع الأسد – باعتراف غير علني لمسؤولين كبار بفشل جهود الديبلوماسية الروسية مع الأسد. إنما يجب أيضاً أن يؤخذ من ناحية العنجهية التي تحول دون اتخاذ روسيا قرار سحب الحماية عن الأسد مما يجعلها تبدو غير جدية لا يمكن الاتكال عليها حليفاً.

الأرجح ان الأخضر الإبراهيمي يحاول تطبيق نموذجه في إجراء المفاوضات الإقليمية – الدولية لمعالجة الأزمة السورية على نسق ما فعله في أفغانستان عبر ما سُمي 6+2، إشارة الى تجمع من الدول شمل وضم الولايات المتحدة وإيران معاً في قاعات مغلقة لإيجاد الحلول لأفغانستان ولخلق نوافذ وإطلالات على بعضهما بعضاً.

لعل الإبراهيمي يعمل حالياً بناءً على «رباعية» الرئيس المصري محمد مرسي على رغم تزعزع أحجار الأساس فيها نظراً لتوقف المملكة العربية السعودية عن المشاركة فيها لأنها وجدتها وسيلة لشراء الوقت بل وهدره. انما فكرة جمع الدول الكبرى في المنطقة – المملكة العربية السعودية، والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتركيا ومصر – للبحث في المسألة السورية أثارت إعجاب الإبراهيمي كقاعدة لمبادراته الديبلوماسية. ولربما في ذهنه الآن 4+5 أي رباعية مرسي وخماسية الدول الكبرى في مجلس الأمن: الولايات المتحدة والصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا، أو 4+7 إذا أضيف النظام والمعارضة السورية الى المعادلة...

المشكلة في هذا الأسلوب انه يقتضي وقتاً طويلاً لا تسمح به الحالة السورية التي تشهد سقوط مئات القتلى يومياً.

المشكلة الثانية تكمن في حجم التمنيات بإصلاح علاقات دول إقليمية ودولية لا يتحمل الوضع السوري انتظار اختمار ذلك الإصلاح شبه المستحيل. وكنقطة بداية ان الفارق ضخم بين الموقف الإيراني المتمسك قطعاً باستمرار نظام بشار الأسد تحت أي ظرف كان والموقف السعودي والتركي الذي يرفض بقاء الأسد في السلطة بعدما سقط أكثر من ثلاثين ألفاً من السوريين قتلى في المعركة على السلطة. والمشكلة الثالثة تكمن في تشريع أو شرعنة الدور الإقليمي للجمهورية الإسلامية الإيرانية داخل دولة عربية وإعطاء طهران أوراقاً تفاوضية قوية ليس فقط لناحية الدور والهيمنة الإقليمية التي ترغب بها وإنما أيضاً لجهة الطموحات النووية لها. وكل ما يتطلبه هذا من وقت لن يكون ممكناً ما لم يتم التوصل الى وقف النار والى مفاوضات جدية للعملية الانتقالية السياسية في سورية. انما، وكما قال لافروف «الأسد لن يرحل» ما لم يُجبَر على الرحيل وليس هناك في الأفق بما يفيد اما بأن طهران جاهزة للاستغناء عنه أو التضحية بالنظام الموالي لها وبأن موسكو مستعدة لسحب الغطاء عنه مما يجعله والنظام في هشاشة.

انما من ناحية أخرى، ليس في وسع أي من أطراف محور روسيا/ إيران/ الصين/ النظام السوري/ «حزب الله» الاستمرار بالوضع الراهن كما هو عليه الى ما لا نهاية، لا سيما ان العقوبات تؤدي الى تآكل جدي للاقتصاد الإيراني والسوري وأن «حزب الله» يُنذر الآن بعقوبات إضافية ستزيد تقييد حريته داخل لبنان وخارجه، وبالذات في المواقع الحيوية له مثل المطار.

ووفق رأي البعض، ان القرار الإيراني بإقحام «حزب الله» في الحرب السورية وبتوريط لبنان في مواجهة مع إسرائيل نتيجة إرسال طائرة «أيوب» من «حزب الله» انتهاكاً للأجواء الإسرائيلية إنما هو قرار ضعف وعلامة على الاستقواء وليس القوة. ذلك أن الوضع داخل سورية يتأزم أكثر وليس لمصلحة النظام، وفق هؤلاء. وبالتالي تقرر في طهران تفعيل توريط الساحة اللبنانية باكراً من أجل تغيير إبرة بوصلة الاهتمام بعيداً من سورية.

بنيامين نتانياهو لا يحتاج الى حقنة إضافية من التهور أو العصبية القومية، وبالتالي التي تُرسَم لاستفزازه ولشن هجمات على مواقع «حزب الله» أو أينما كان في لبنان انتقاماً من «أيوب». قد تكون الانتخابات الأميركية دافعاً للانضباط. قد يحتفظ نتانياهو بعنصر المفاجأة للانتقام من استخفاف «حزب الله» به متجاهلاً دور إيران لأن إسرائيل غير قادرة أو غير مستعدة للمواجهة المباشرة مع إيران. وقد تكون طائرة «أيوب» أكثر ورقاً مما هي اختراق جذري في المعادلة العسكرية. كل هذا يضع لبنان على سكة الخطر بقرار من محور طهران – الضاحية الجنوبية في لبنان/ دمشق/ بكين/ موسكو.

الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون حذر في تقريره الأخير عن القرار 1559 بأن «استقرار لبنان وسيادته موضع تحدٍ قاسٍ» معرباً عن «القلق العميق من وطأة الأزمة السورية على لبنان» و «ازدياد التقارير التي تتحدث عن نشاطات في سورية لحزب الله والذي هو عضو في التحالف الحاكم والتي قد تقوض سياسة (النأي بالنفس) وفي نهاية المطاف تقوض استقرار لبنان».

وفيما يخص طائرة «أيوب»، قال بان كي مون ان إيفاد «حزب الله» هذه الطائرة الى إسرائيل هو «استفزاز متهور قد يؤدي الى تصعيد خطير يهدد استقرار لبنان»، مطالباً قيادة «حزب الله» بأن تنزع سلاحها وتحصر نشاطاتها بصفتها حزباً سياسياً لبنانياً. وطالب الأمين العام الحكومة الإيرانية التي لها علاقات وثيقة بـ «حزب الله» الكف عن تسليم السلاح له انتهاكاً للقرارين 1559 و1747 وتجنباً لإقحام لبنان في حرب مهلكة.

لا يكفي ان يبيّن الأمين العام للأمم المتحدة الخطر الذي يحدق بلبنان وتداعيات ذلك على السلام والأمن الإقليميين. يجب أن يكون للأسرة الدولية موقف واضح وحازم إزاء هذا الأمر لأن جر لبنان الى المواجهة يعني ان طهران اتخذت قرار استخدامه ساحة للحروب بالنيابة لإنقاذ انزلاق الوضع في سورية وتحويل الأنظار عن تدهور النظام هناك. وهذه مسؤولية أميركية بقدر ما هي روسية. ذلك ان الاختباء وراء الإصبع أو دفن الرؤوس في الرمال سيرتد على جميع اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين على السواء.
 

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها