الكلدان الآشوريون السريان شعب واحد  يسمى بالشعب الآرامي

 

اقرأ المزيد...

 

 

 

د. شاكر النابلسي


هؤلاء هم أعداء ثورة بورقيبة

 2011 الإثنين 24 يناير

 

-1-
لكل ثورة في التاريخ البشري أعداء. وهؤلاء الأعداء هم عنوان الثورة. وهم الدليل القاطع، على أن هناك ثورة في بلد ما، في زمان ما. فالثورات في التاريخ البشري، إنما قامت ضد أعداء، وضد أفكار عدائية، وضد مصالح عدائية. فكان من الطبيعي والمنطقي، أن تكون لكافة ثورات التاريخ البشري أعداء.
فلا ثورة دون أعداء.
واليوم نشهد بوضوح، هذا الصف الطويل لأعداء ثورة بورقيبة 1956 التونسية، الذين انتظروا هذه اللحظات، منذ أكثر من نصف قرن من العام 1956. وهم يعتقدون، أن الفرصة قد أُتيحت لهم اليوم للإطاحة بمكتسبات هذه الثورة، تحت غطاء رفعهم لشعارات: "تونس الحرة"، و"تونس الخضراء"، و"ثورة الياسمين" .. الخ. وهم يستعملون كافة الوسائل الإعلامية المتاحة من فضائيات، ومواقع على الانترنت، وصحف ومجلات ورقية، وأشرطة تسجيل مسموعة، وأشرطة فيديو، وكتب، وكتيبات، ومحاضرات، وندوات، ولقاءات، وخُطب في المساجد. وربما استعملوا غداً السلاح الأبيض والأحمر، وأغرقوا تونس، كما سبق وأغرقوا العراق في بحار من الدماء، راح ضحيتها آلاف الأبرياء.

-2
لثورة يناير 2011 التونسية أعداء في الداخل والخارج. ولكننا الآن سنتحدث عن أعداء الداخل، المتمثلين بمعظم الأحزاب والجماعات والأفراد الإسلاموية التي تتبني نهج "الإخوان المسلمين" في نظرية الحكم، وإدارة المجتمع. ومن هذه التنظيمات، تنظيم "حركة النهضة" الإسلاموي. وهو أقوى وأكبر الأحزاب السياسية/الدينية في تونس، والتي تتمسك بالشعار الغامض والعاطفي "الإسلام هو الحل". وقد حكم على زعيمها في العام 1991 بالسجن مدى الحياة. وتطالب هذه الحركة بإلغاء الدستور المدني الحالي في تونس، واستبداله بدستور ديني، وإقامة دولة وحكومة دينية، كما طالب الشيخ القرضاوي في خطبة الجمعة (14/1/2011) في مسجد عمر بن الخطاب في الدوحة. مما يعني إلغاء تركة وتراث بورقيبة الحداثي والعَلْماني منذ 1956 حتى الآن. أي نسيان وخسران أكثر من نصف قرن من العمل التونسي العام الشاق، ورميه في البحر الأبيض المتوسط، وبدء بناء دولة دينية، على غرار الدولة الدينية الإيرانية التي أعجب زعيم النهضة بها، وبثورة الخميني ضمن موجة التشيّع، التي اجتاحت تونس في الثمانينات، من خلال "جمعية آل البيت"، وحركة "المسلمون السائرون على خط الإمام" (والإمام هنا يعني الخميني). وما زال هؤلاء ينشطون سياسياً ودينياً في تونس. وكان زعيم "حركة النهضة" قد أبدى إعجابه الشديد بالثورة الخمينية، وقال عنها: "جاءت الثورة الإيرانية في وقت مهم بالنسبة إلينا."

-3-
وزعيم "حركة النهضة"، المقيم في لندن منذ سنوات طويلة، تم إلقاء القبض عليه في 1981، وأحيل إلى المحاكمة مع مجموعة من "حركة الاتجاه الإسلامي" (الاسم السابق لـ "حركة النهضة") بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مشروعة، وحكم عليه بالسجن 10 سنوات.  وبعد ثلاث سنوات، أُطلق سراحه. ثم أعيد اعتقاله في 1987 ليحاكم مع مجموعة من أعضاء "حركة النهضة" بتهمة القيام بمحاولة انقلاب، وتفجير أربعة فنادق سياحية في العاصمة. ومن المعلوم أن "حركة النهضة" وكافة الحركات الإسلاموية، تعارض الصناعة السياحية في تونس. وتقول أنها سبب الفساد، والانحراف، وسوء الأخلاق في تونس، علماً بأن هذه الصناعة عماد الاقتصاد التونسي، حيث تُشكِّل قرابة 10% من الدخل القومي التونسي، وحيث يزور تونس سنوياً أكثر من عشرة ملايين سائح. والأهم من هذا، أن نسبة كبيرة من هؤلاء السائحين تأتي من ليبيا ومن الجزائر، وهي فرصة ثمينة، لكي يتعرف قسم منهم على التجربة الحداثية العَلْمانية البورقيبية في الاجتماع والدين، ويعودون إلى بلادهم رُسلاً ودعاةً لهذه التجربة.

-4-
والأعداء الآخرون لثورة بورقيبة الحداثية العَلْمانية الحضارية هم السلفيون، بقيادة زعيمهم الشيخ الضرير الخطيب الإدريسي الذي سُجن عام 2006 بتهمة التحريض والدعوة إلى "الجهاد". وهناك السلفيون الشباب، الذين يتبعون الجماعات السلفية في مصر والجزيرة العربية. وهم يسعون إلى إلغاء العَلمانية والحداثة التونسية، وإعادة تونس إلى "عهد الانحطاط"، الذي بدأ في عهد الخليفة العباسي المتوكل (846-862م). ومن هنا، انطلقت السلفية في السعودية – مثالاً لا حصراً - تخاطب السلفية التونسية، على لسان الشيخ السلفي السعودي المعروف عبد الرحمن البراك، الذي اشتُهر بفتواه بــ "قتل مستحلي الاختلاط"، محذراً السلفيين التونسيين من الديمقراطية والانتخابات القادمة، قائلاً لهم:
 "وإنكم في الأيام القادمة، ستبتلون بالانتخابات، فاجعلوا أهم أمركم إقامة شرع الله، الذي به صلاح الدنيا والآخرة، فلا تمدوا أيديكم، ولا تمنحوا أصواتكم، إلا لمن يكون ولاؤه للإسلام، ومن تأمنونه على دينكم، ودنياكم."
كذلك، قال الشيخ السلفي السعودي الآخر ناصر المعمَّر، الذي يعتبر من رموز "الإسلام السياسي" التي لعبت دوراً محورياً، فيما عُرِف بأزمة "الوجود العسكري الأجنبي" في 1990- 1991 للسلفيين التونسيين:
 "ذهاب طاغية وطرده شر طردة، لا يُلزم منه الخلاص من البلاء والفتنة، إن لم يرجع الناس إلى دين الله. وقد يخلفه مثله، أو شرٌ منه، كما هو مشاهد في كثير من البلاد الإسلامية. لذا، لا بُدَّ من توبةٍ صادقة، وعودة إلى الله خالصة، ليرفع الله البلاء، ويكشف الغمّة."
أما الشيخ يوسف القرضاوي، فأرسل رسالة للشعب التونسي، خلال خطبة الجمعة (14/1/2011)، قال فيها :
لا بد من وضع دستور جديد يُطلِّق المبادئ والقيم، التي بُني عليها الدستور العَلْماني اللاديني الطاغوتي، الذي كان مُفصّلاً على حجم الحزب "الاشتراكي الدستوري"، وجبروته، وطغيانه."
وفي هذه الرسائل "شيفرة" سلفية، يتبادلها السلفيون للتفاهم فيما بينهم. ولكن هذه الشيفرة يمكن لذوي البصر والبصيرة حلّها، وكشفها، وفهمها بسهولة. وملخصها – كما هو واضح - القضاء التام على تركة بورقيبة الحضارية، والعودة إلى تعاليم ابن حنبل، وابن تيمية، وابن عبد الوهاب، وسيّد قطب، وغيرهم، من رموز السلفية القديمة، والجديدة.
وهؤلاء الشباب السلفيون كانوا  - كما تعلم السلفية العربية والخليجية خاصة – الفئة التي راهن عليها الزعيم بورقيبة، داخل المَعلَم الزيتوني – كما يقول الباحث التونسي لطفي حَجِّي في كتابه المهم جداً "بورقيبة والإسلام.. الزعامة والإمامة، 2004"، والذي أوصي جميع المهتمين في الشأن التونسي، أن يقرءوه لعدة مرّات بعناية تامة – على "أساس أنهم الأقدر على فهم رهانات التغيير، ثم قياداته." (ص 78).

-5-
وعلى الضفة الأخرى من "الإسلام السياسي" التونسي المتربص بالتراث الحداثي البورقيبي، هناك "حزب التحرير" الإسلامي التونسي، وهو فرع من تنظيم دولي، أسسه في مدينة القدس 1953 الشيخ القاضي الفلسطيني تقي الدين النبهاني، الذي انشق عن جماعة "الإخوان المسلمين". وقد ظهر "حزب التحرير" التونسي، متزامناً مع ظهور "الجماعة الإسلامية " عام 1972، التي غيّرت اسمها إلى حركة "الاتجاه الإسلامي" ثم إلى "حركة النهضة". وفي عام 1973 تشكَّلت أولى خلايا هذا الحزب داخل الجيش التونسي، وهنا كان مكمن الخطورة، التي تجلّت بالإعداد لأول انقلاب عسكري ديني تونسي، وتمَّت محاكمة أعضائه في الأعوام 1983، و1986 ، و1990. رغم أن هذا الحزب حزب تنظيري، لا يؤمن بالقوة المسلحة. ومن المعلوم أن "حزب التحرير" الإسلامي، حزب يدعو إلى إعادة إقامة الخلافة الإسلامية، التي أطاح بها أتاتورك في تركيا عام 1924، ثم أجهز عليها الزعيم بورقيبة في تونس 1956. وهذا الحزب محظور في جميع الدول العربية والإسلامية، لأنه يُحرِّم تحريماً مطلقاً الديمقراطية. ويعتبرها "نظام كفر" لا يجوز الاحتكام لها، ولا الدعوة إليها، بل يعتبر الدعوة إليها، دعوةً إلى باطل."
ويقول "حزب التحرير" في كتابه الرسمي الذي أصدره بعنوان: "الديمقراطية نظام كفر، يُحرَّم أخذها، أو تطبيقها، أو الدعوة إليها" عام 1990:
"الديمقراطية التي سوَّقها الغرب الكافر إلى بلاد المسلمين، هي نظام كفر، لا علاقة لها بالإسلام، لا من قريب، ولا من بعيد. وهي تتناقض مع أحكام الإسلام تناقضاً كلياً في الكليات وفي الجزئيات، وفي المصدر الذي جاءت منه، والعقيدة التي انبثقت عنها، والأساس الذي قامت عليه، وفي الأفكار والأنظمة التي أتت بها." (ص9، من المقدمة).

-6-
وتبقى هناك الفئة الدينية/السياسية الأضعف من حزمة "الإسلام السياسي" التونسي المتربص بالتراث الحداثي التونسي، وهي "جماعة  التبليغ والدعوة". وهي جماعة ظهرت في تونس في منتصف السبعينيات، واستقطبت أتباعاً من مختلف الفئات الاجتماعية. ومؤسسها الشيخ الهندي محمد الكاندهلوي (1885-1944) عام 1926  وانتشرت سريعاً في الهند والباكستان وبنغلاديش، وانتقلت إلى العالم الإسلامي والعربي، حيث أصبح لها أتباع في معظم البلدان العربية، ومنها تونس. وهذه الجماعة تتخذ من المسجد مكاناً لإطلاق دعوتها، التي يرجح أنها في ظاهرها ديني، ولكن باطنها سياسي، على غرار دعوة الإخوان المسلمين، قبل 1948 وموجة الاغتيالات السياسية التي ارتكبوها في مصر 1948، وراح ضحيتها رئيس الوزراء المصري النقراشي باشا، والقاضي أحمد الخازندار، وحكمدار (مدير الأمن العام) القاهرة سليم زكي باشا، وغيرهم.
و"جماعة التبليغ والدعوة"، لا ينكرون دعوتهم إلى إقامة الخلافة الإسلامية، ولكنهم يعتبرونها سدرة المنتهى، وتاج الفروض. مما يؤكد عدم خلو دعوتهم من الأهداف السياسية، المغطاة بقشرة رقيقة من الدروشة، والصوفية الطرقية المغاربية المعروفة.

-7-
إن أخطر ما يُحيق بتونس الجديدة الآن، هو هذا الإعلام الفضائي العربي اليميني، الذي يُركز تركيزاً شديداً غير مسبوق، على ما يجري في تونس، وينقل عناصره الفنية واستديوهاته الى هناك، ويلتقي بالناس البسطاء في الشارع التونسي، بشكل انتقائي، ويُغيّب المثقفين الحداثيين والعَلمانيين التونسيين، وخاصة أولئك الذين يسندون ويساندون التراث الحداثي العَلْماني البورقيبي، ويجددوا فيه، ويراكموا فوقه، يوماً بعد يوم، بكل ما يملكوا من وسائل. ويركِّز هذا الإعلام على مقابلة الإسلامويين، ودعاة "الإسلام السياسي"، وأعداء النهج الحداثي العَلْماني البورقيبي، ونشر خطابهم، انطلاقاً من إيديولوجية هذا الإعلام، الذي سيهدف في فترة لاحقة، وبعد أن يتبين له الخيط الديني الأبيض من الخيط البورقيبي الأسود، الى بدء الهجوم الكاسح والمكشوف على الحداثة والعَلْمانية البورقيبية، وإبراز مثالبها التي اعتُبر عهد بن علي امتداداً لها. وهو في الواقع امتداد الآباء في الأبناء. ولا يشترط بالوريث دائماً أن يكون على شاكلة المورِّث. وكم من وريث خان أمانة المورِّث، وقلب فضائلها الى رذائل.

السلام عليكم.

إيلاف
المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها