الكلدان الآشوريون السريان شعب واحد  يسمى بالشعب الآرامي

 

باحث وكاتب سوري نبيل فياضمقالات سابقة للكاتب

باحث وكاتب سوري نبيل فياض

 


أكبر تناقض كوني: "جمهورية إسلاميّة"

لا مجتمع ولا مدنيّة: صرعة المجتمع المدني في سوريّا!!!

حين قلّلت عقلي ووافقت على الذهاب من دمشق إلى حمص لحضور لقاء تقيمه جماعة المجتمع المدني الحمصيّة مع الدكتور برهان غليون، الحمصي المقيم في فرنسا، بدعوة من نادي المدى اليساري المقرّب من تلك الجماعة، تفاجأت بذاك الكم المكثّف من الناصريين ـ دكّان جمال الأتاسي ـ والأصوليين [الطرفان وجهان لعملة واحدة اسمها الإرهاب] الذين شكّلوا الغالبيّة الساحقة من الحضور. كان المختصر غير المفيد لكلام عالم الاجتماع والسياسة انّه، بعدما فشلت التجارب الليبراليّة والقوميّة والاشتراكيّة: ما هو المانع أن نجرّب الإسلاميين؟؟!! وكاد الحضور الكريم، المؤهّل سلفاً لسماع أسطوانة مريعة من النوع الأبوغليوني المشار إليه آنفاً، أن يصيح: الله أكبر!!! لكنهم كأدعياء لمجتمع مدني [أتحدّى إذا كان واحد من الحضور باستطاعته تعريف المصطلح] التزموا الصمت حرصاً على الطابع الديمقراطي العقلاني الثقافي للقاء.

 لكن السيّد أبو الغليون يعرف قبل غيره أن ما أطلق عليه أسماء متلألئة من طراز "تجارب ليبراليّة وقوميّة وإشتراكيّة" لا علاقة له، لا من قريب ولا من بعيد، بالليبراليّة أو القوميّة أو الإشتراكيّة! فهل يعتبر أبو الغليون المجلس النيابي السوري ما قبل عبد الناصر تجربة ليبراليّة! شخصيّاً على الأقل، كان أكثر من سبعة من أقاربي أعضاء في هذا المجلس الكريم، ولا أعتقد أن أيّاً منهم كان يعرف ما الذي يعنيه مصطلح "ليبراليّة" ـ هذا إذا كان قد سمع به أصلاً!! بالمقابل، فإذا كان أبو الغليون يعتبر النيوـ أصولي المرتدي لقناع القوميّة الكاذب المدعو جمال عبد الناصر قوميّاً فهو مخطيء حتماً، لأن القوميّة تتجاوز الانتماء الديني أو المذهبي، وعبد الناصر كان أسوأ بحق أقباط مصر، من أحكام أهل الذمّة، سيئة السمعة والصيت. الأغرب أن يعتبر مثقفنا الألمع نظام أمين الحافظ وزمرته إشتراكيّاً!! ولا أعتقد أن أبا الغليون وهو على مشارف الستين لم يع هذا النظام الذي كما نعرف لم يكن وقته يسمح له ـ هذا ما يعرفه جيّداً أيضاً الأستاذ أحمد أبو صالح، الذي أخرجه الطالباني أحمد منصور من تحت الرمل فقط كي يشتم العلويين وحافظ الأسد، لأن بيته، أقصد أبا صالح، لانفتاحه، كان مسرح العمليّات التقدميّة كون صاحبته غير عربيّة ـ بشغل ذاته بقضايا تافهة كالاشتراكيّة تأخذه من أحضان الأخوات التقدميّات اللواتي بذلن الغالي والرخيص في سبيل الثورة: وعلى رأس هؤلاء كانت المطربة الثوريّة الرفيقة لودي شاميّة [نعرف أسماءهن جميعاً؛ لكننا نرفض تشويه سمعة من كن ربما أجبرن على ممارسة هذا العهر التقدّمي]!!! بل حتى الآن لا أفهم كيف سمح أبو الغليون لذاته أن يصف منظومة يرئسها شخص أسماه السوريون "أبو عبدو الجحش" وكان نشيده الوطني؛ يقول:

    يا أبو عبدو الفتّاح.. طاح العنب طاح، .. بالقوميّة والاشتراكيّة؟؟؟

من ناحية أخرى، فقد أثبت الإسلاميون، حيثما حلّوا، إن في السودان أو أفغانستان أو إيران، الفشل الأبهر بين كلّ أنواع الفشل التي عصفت بالمنطقة. ولا أعتقد أن أجساد أوطاننا المتعبة أصلاً تستطيع تحمّل فشل جديد. ـ إضافة إلى أننا نختلف قليلاً ربما عن فئران التجارب التي يرغب الأستاذ أبو الغليون، من برجه العاجي الباريسي، اختبارها بتجربة إسلاميّة جديدة!!!

أزمة أبو الغليون يمكن تعميمها على باقي مثقفي سوريّا ـ طبعاً لا أقصد هنا دكّان علي عقلة عرسان الذي يشتغل سبوبة ثقافية لبعض العاطلين عن العمل من أقارب هذا أو ذاك ـ الذين يضعون رؤوسهم في مالمه وأرجلهم في الشاغور. يجلس المثقف السوري في الرواق، الذي يطالب الطالبانيون الجدد في سوريّا بمنع الكحول فيه بعد أن صارت حتى المواخير تتباهى بلائحة: نعتذر عن تقديم المشروبات الروحيّة [يقدّمون فقط مشروبات جسديّة]، يمسك بغليونه وأمامه كأس من البيرة السوريّة الرخيصة؛ ويبدأ بإعمال عقله كامل الشلل [العقل السوري يشلّ نصفه الإسلام ونصفه الآخر التبعّث]؛ يمسك بيد العانس المجالسة له فجأة، ويصرخ: "وجدتها"!!!

تفرح العانس المزعجة بصديقها الذي استطاع أخيراً اكتشاف شيء يمكن لها أن تقنع به عماتها اللواتي يلمنها على صرفها معاشها المهترىء أصلاً على هذا العاطل المحترف لغباء اسمه الثقافة! 

-        "ما الذي وجدته؟" سألت العجوز المبهرجة مثقفها العاطل عن العمل!

-        أجابها الخليط الذكوري العجيب: "المجتمع المدني!!! لقد أخبرت جارتنا زوجة ابن خالتي أن صديقة بنت عم زوجها المقيمة في أميركا تنشط ضمن مجال لجان المجتمع المدني"!

بدأ اليسار السوري المحتضر بمدّ رأسه رافعاً رايات المجتمع المدني، كنوع من الاحتجاج الصامت على ما أسموه ممارسات السلطة القمعيّة؛ وبسرعة هائلة، التقط الأصوليون والناصريون الإشارة، وراحوا يعملون من وراء الكواليس على النفخ في قربة المجتمع المدني المثقّبة لزعزعة النظام دون ظهور واضح يمكن أن يؤدّي لمواجهة لا طاقة لهم الآن بها.

إذن: مثقفو سوريّا، وكأنهم في السويد، يريدون استيراد مفهوم مغرق في التحضّر لتطبيقه على شعب مغرق في تخلّفه! لكن سؤالاً خبيثاً يطرح نفسه بقوّة هنا: هل يستطيع دعاة المجتمع المدني إعطاء تعريف علمي لهذا المصطلح؟ وحتى يجدوا مخرجاً من هذا السؤال المحرج، لا بدّ من تقديم بضع معلومات حول الأمة المسمّاة بالعربيّة التي فلقنا القرضاوي وهو يقول إنها خير أمّة أخرجت للناس. ـ ا كان المقصود بذلك المسلمون فالواقع أشدّ إيلاماً:

خير أمّة أم ...؟؟؟

مقارنة بالكفّار، الذين يبدو أن الله يحبّهم أكثر من المسلمين والعرب خصوصاً، فواقع الدول الناطقة بالعربيّة أسوأ من سيء؛ وها هنا بعض الدلائل:

1 ـ إن معظم مؤشّرات التقدّم العلمي والتقاني العملية في الوطن العربي راوحت مكانها تقريباً، وتكفي الإشارة إلى أنه لم يتم سوى تسجيل عدد نادر جداً من براءات الاختراع من مبدعين عرب، وعدد نادر جداً من سلع جديدة أو طرائق إنتاج جديدة في الأقطار العربية، كما لم يسجّل الإنفاق على البحث والتطوير سوى زيادة‏ طفيفة.

2 ـ  في دراسة نُشرت في العام 1998، قُدّر عدد الباحثين في مؤسسات البحث العلمي العربية عام 1984 بـ 31118 باحثاً. وإذا أضفنا إليهم عدد الباحثين من الجامعيين، الذي يقدّر عددهم بـ 10 بالمئة من عدد العاملين في سلك التعليم العالي، حصلنا على 81113، وهو ما يعطي نسبة 2,7 باحثاً لكل عشرة آلاف من اليد العاملة. وهي نسبة ضئيلة إذا ما قوبلت بمثيلتها في الولايات المتحدة؛ وهي 66 بالمئة، واليابان 58 بالمئة، وبريطانيا 36 بالمئة. وهي تمثّل 44،6 باحثاً لكل مليون نسمة من السكان.‏

3 ـ في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي بلغ عدد النشرات العلمية العالمية، بحسب معطيات "معهد المعلومات العلميّة" الأمريكي، كالتالي (لكل مليون مواطن): 1020 (الولايات المتحدة)، 450 (فرنسا)، و 15 (الوطن العربي).‏

4 ـ من زاوية كميّة، يوجد في الوطن العربي إلى الآن ما يقارب من مئتي جامعة، إضافة إلى عدد غير قليل من مراكز البحوث، وما يقرب من خمسين ألف عربي يعملون كأساتذة أو كأعضاء في معاهد أبحاث عربيّة أو أجنبية. أمّا من الزاوية النوعية وحتى الكميّة فإنّ إنتاج العلماء والمفكرين العرب مجتمعين يقل عن إنتاج الفئة نفسها في إسرائيل قبل "البريسترويكا" (التي حققت هجرة واسعة للعلماء السوفييت إلى إسرائيل)، على رغم تساوي أعداد فئة الباحثين في إسرائيل ودولة عربية واحدة مثل مصر (في عام 1985). ولدى مقارنة عدد البحوث والدراسات المنشورة في العلوم الطبيعية في ثلاثة عشر قطراً عربياً (الأردن، تونس، الجزائر، ليبيا، السعودية، السودان، سوريّة، العراق، الكويت، لبنان، مصر، المغرب، اليمن)، وإسرائيل من عام 1967 إلى عام 1983، يتبيّن أنّ مجموع ما أنتجه الباحثون العرب في مجال العلوم الطبيعية 2616 بحثاً في تلك الفترة، في حين أن إجمالي ما أنتجه الإسرائيليون في المجال نفسه 4661 بحثا.

وقد ورد في منشورات "معهد المعلومات العلمية" (ISI) أنّ إنتاجية الباحث العربي تعادل 10 بالمئة من المعدّل العادي لغيره من العلماء لغاية عام 1973.

5 ـ وفي مقابلة صحفية أُجريت مع الدكتور طه النعيمي الأمين العام لاتحاد مجالس البحث العلمي العربية في شهر شباط 1999  ذكر أن ميزانية البحث العلمي في أمريكا حوالي 3,2 % من الناتج القومي الإجمالي، وفي أوروبا هناك معدل عام لميزانية البحث العلمي يقدّر بـ 2,5 من الناتج القومي الإجمالي، وفي اليابان 3% وفي كوريا الجنوبية 1,91 ومن المتوقع أن تصل إلى 5 % خلال السنوات القادمة.‏

أمّا في الدول العربية فميزانية البحث العلمي تتراوح بين الصفر وبين 0,5% من الناتج القومي الإجمالي، وبعض الخبراء يصل بهذه النسبة إلى 0.7% وهي كلّها أرقام ضئيلة جداً إذا ما قورنت بميزانيات البحث العلمي في الدول المتقدمة. وفي المقابل يرتفع المؤشر في إسرائيل عن المتوسط العالمي، فيتجاوز 2% أي أكثر من عشرة أمثال العرب، وإذا أدخلنا في الحسبان التفاوت في عدد السكان وفي حجم الناتج سنوياً (لاحظوا أنّنا نتحدث عن المجالات المدنية فقط)، لارتفعت الفجوة بين العرب و إسرائيل في الإنفاق على البحث والتطوير إلى أكثر من ثلاثين‏ مثلا.

6 ـ من ناحية أخرى، نشير في هذا المجال إلى مشكلة خطيرة تتمثّل في تصاعد معدّلات هجرة الأدمغة العربية إلى الغرب الصناعي، برغم الحاجة العربية الماسّة لهذه الكفاءات والطاقات العربية المتقدمة، التي يُفترض أنها هي التي تقود التنمية الشاملة، وتقلّص الفجوة العلمية ـ التقانية مع إسرائيل.‏

فقد أشارت آخر الدراسات المنشورة في هذه المسألة إلى أنّ عدد الأدمغة العربيّة المهاجرة إلى المجتمعات الغربية، وخاصة إلى الولايات المتحدة الأمريكية بلغ نحو 450 ألف نسمة. وهي خسارة فادحة لموارد بشرية عالية المستوى (حملة ماجستير ودكتوراه وهندسة واختصاصات نادرة أو المدرّبة تدريباً تقنياً رفيع المستوى)، والضرورية جدّاً لتحقيق النمو الاقتصادي ودفع عجلته إلى الأمام.‏

وهجرة الأدمغة مظهر من مظاهر الخلل الاجتماعي والثقافي الاقتصادي والسياسي والحضاري بشكل عام. وأسباب هجرة الكفاءات (الأدمغة) من أقطار الوطن العربي إلى خارج حدوده كثيرة ومتشعّبة، ولا مجال هنا للتفصيل فيها. ولكن يمكن الإشارة بصورة موجزة إلى مجموعتين من العوامل المؤثّرة، هما مجموعة العوامل أو القوى "الدافعة" أو "الطاردة"، ومجموعة العوامل أو القوى "الجاذبة" الموجودة أو المعروضة في البلدان المُضيفة، التي تسهم في خسائر بشريّة وخبرات يزيد حجمها عن مائتي مليار دولار.

بالمقابل، فإنّ إسرائيل استقطبت آلاف العلماء من الاتحاد السوفييتي السابق، والذي قدّرت دراسة عددهم بأكثر من 70 ألفاً من المهندسين، وقرابة 20 ألفاً من الأطباء والممرّضين والفنانين، وحوالي 40 ألفاً من المدرسين، وقسمٌ كبير من هؤلاء حملوا معهم كثيراً من أسرار التطوّر العلمي، والأسرار الأخرى.‏

وطبقاً لمعلومات "عوزي غدور"، مدير قسم خدمات الاستيعاب في "وزارة الاستيعاب"، فإنّه منذ بداية الهجرة الواسعة (سنة 1989) إلى نهاية عام 1991، كان في إسرائيل بين المهاجرين الجدد: 10 آلاف عالم، 87 ألف مهندس، 45 ألف هندسي وتقاني، 38 ألف معلم، 21 ألف طبيب، 18 ألف من رجال الفن، 20 ألف أكاديمي في العلوم الاجتماعية. وبحسب البروفسور "يرمياهو برنوبر"، من جامعة تل أبيب ورئيس قسم الأبحاث الإسرائيلية، في مجال الطاقة، فإنّ 20 % من المهاجرين الجدد هم من حملة الشهادات العلمية في مجالات الهندسة والفيزياء والكيمياء والتكنولوجيا. وفي إمكان طاقة كهذه أن تحول إسرائيل إلى ما يشبه اليابان من الناحية التكنولوجية.‏

7 ـ من الأرقام الدالة على إمكانات المعرفة والبحث، أنّ عدد وصلات شبكة الإنترنت في منطقة الشرق الأوسط في مطلع عام 1998 تجاوز نصف مليون وصلة، نصفها في إسرائيل، وبذلك تصبح حصّة إسرائيل نسبةً إلى عدد السكان خمسين مِثل حصة الوطن‏  العربي.‏

8 ـ في مجال براءات الاختراع والعلاقات التجارية، فإنّ بيانات "مكتب العلامات التجارية الأمريكية" (هي الأدق في هذا المجال) تشير إلى أن المقيمين في البلدان العربية سجّلوا في العام الماضي 24 علامة تجارية، بمعدّل عُشْر علامة تقريباً لكل مليون نسمة من السكان، أي أنّ معدّل التسجيل في إسرائيل نسبة للسكان، يتعدّى ألف مثل لمجمل الأقطار العربية.

9 ـ إذا أردنا أن نجمل مؤشرات تفوق إسرائيل على العرب، نسبة إلى عدد السكان، فسنجد أنّها تتفوّق بمعدّل عشر مرات في الأفراد العلميّين، وأكثر من ثلاثين مرّة في الإنفاق والبحث والتطوير، وأكثر من خمسين مرّة في وصلات الإنترنت، وأكثر من سبعين مرّة في النشر العلمي، وقرابة ألف مرّة في براءات الاختراع. ـ مع ملاحظة أن المعلومات السابقة مأخوذة عن مركز علمي "عربي" يهتم بهذه القضايا، خاصة من منظور قومي.

صرعة المجتمع المدني: عود على بدء!

بعد هذه المعلومات المريعة لا أستطيع سوى القول، إني أشعر بالأسى والتضامن مع أولئك المسجونين من جماعة المجتمع المدني السوريين ـ باستثناء مأمون الحمصي طبعاً ـ الذين كانوا في اعتقادي ضحايا عصابة الثيران المقدّسة المسمّاة بالأخوان المسلمين، ومن على شاكلتها من تيارات.

إن الرأي الذي لا يوافقني أحد ربما عليه، هو أن سوريّا كانت أمام فرصة تاريخيّة بعد تشرين الثاني 1970 لأن تمشي في خط الحداثة والتطوير بعد أن رمت في سلّة الزبالة الرفيق أمين الحافظ ولودي شاميّة وبقيّة الشلة إياها: لكن ظهور عصابة الثيران المقدّسة، وطرحها للعنف والطائفيّة والإرهاب وسيلة لتداول السلطة، أعاد سوريّا إلى ما قبل سفر التكوين. ـ إنّ تعامي صرعة المجتمع المدني عن السبب الحقيقي الذي جعل سوريّا تعيش كابوساً على مدى ثلاثين عاماً على الأقل، وتعليقهم كلّ الأخطاء على مشجب الرئيس الراحل، كانا البطاقة التي حاول بها الأخوان المسلمون ومن على شاكلتهم العودة إلى الساحة من ناحية، والانتقام من النظام الذي قمعهم من ناحية أخرى.

يعرف الجميع أني من أكثر الناس تضرّراً من النظام الحالي في سوريّا: تكفي الإشارة هنا إلى أني لا أستطيع نشر كلمة واحدة في ما يفترض أنه بلدي؛ إضافة إلى الإزعاجات التي لا تحصى التي تعرّضت ـ وما زلت أتعرّض إليها ـ من الأجهزة الأمنيّة، التي أوصلني نقدها مرّة في حمص إلى السجن على يد شخص اسمه أحمد اليوسف. مع ذلك، فلأننا ليبراليون تربيّنا على قيم لا عربيّة ولا إسلاميّة، نجد أن الحقيقة تجبرنا على إنصافها ووضع النقاط على الحروف، حتى وإن أغضب ذلك معارضتنا التقدميّة أو الإسلاميّة.

الرئيس حافظ الأسد، برأينا، كان يريد خلق جو ديمقراطي نوعاً ما بعد أن كنّس أمين الحافظ وعصابته. وليس أدلّ على الجو الديمقراطي الذي عرفته سوريّا ما بعد حرب تشرين من انتشار جماعة الأخوان المسلمين في كل شبر من سوريّا فيه رائحة سنيّة. وكان نشاطهم في المساجد والمنازل وبعض المراكز علنيّاً؛ وفي اعتقادي أنهم لو استمرّوا في انتشارهم هذا سلميّاً لاستطاعوا تحقيق بعض الوجود السياسي الرسمي الهام؛ لكن عصابة الثيران المقدّسة، بسبب بنيانها المعرفي الثقافي المتوارث، لا تستطيع أن تكون حركة حضارية غير إرهابيّة؛ وهكذا، أشعل أولئك الثيران المقدّسون حرباً طائفيّة شعواء في البلد أدّت، ضمن أشياء أخرى كثيرة، إلى ما يلي:

1 ـ شحن البلد بنفس طائفي تفتيتي لا يبدو ممكناً على المدى المنظور التخلّص منه؛

2 ـ إدخال غالبيّة السنّة السوريين، الذين كانوا في فترة من أهم تيارات البورجوازية غير الرجعيّة في المنطقة، في نفق الأصوليّة الذي لا مخرج منه؛

3 ـ خلق المبرّرات لوضع البلد بأكمله تحت قبضة الأمن التي لا ترحم؛ مع كل ما يعنيه ذلك من انتهاك لحقوق الإنسان ومنع الناس عن التطوّر، والأخطر، القضاء على الحياة السياسيّة الأمر الذي يجعل من الجماعات الطائفيّة الحزب السياسي الوحيد المسموح له بأن يوجد؛

إذن: إنّ ما نعيشه الآن في سوريّا من ظروف تتنافى بالكامل مع إمكانيّات الوطن الفعليّة ـ بغضّ النظر عن تفشّي الفساد والمحسوبيّة والتسلّط! ـ في اعتقادنا على الأقل، هو النتيجة المنطقيّة لعقليّة الأخوان المسلمين، الذين يحاولون اليوم إلقاء تبعيّة ما عشناه من مآس على عاتق النظام وأجهزته الأمنيّة.

لكن أسوأ ما نعيشه حاليّاً هو افتقاد الدولة لمشروع واضح تعالج فيه الخلل "المعرفي ـ الطائفي ـ السياسي" الذي يتخلّل سوريّا منذ مدّة، عبر الابتزاز غير المعلن الذي يمارسه المشايخ بحق السلطة لوقوفهم معها ـ هم منافقون في ذلك؛ فهم لم يعادوا الأخوان ولم يقفوا مع الدولة: فقط ناصروا الطرف المنتصر حفاظاً على مصالحهم ـ في محنة السبعينيات والثمانينيات! وسقوط النظام في العراق، وما أعقب ذلك من امتداد سرطاني للقوى الطائفيّة التي كانت جاهزة لاحتكار البقرة التي وقعت لصالحهم، يجب أن يكون ناقوس الخطر الذي يحض الدولة السوريّة على معالجة الخلل الطائفي وانتشار قوى الرجعيّة الدينيّة بسرطانيّة أين منها سرطان الأخوان في عزّ انتشاره: الأخطر من هذا كلّه هو أن رموز الردّة الطائفيّة هذه المرّة هم من بين أولئك الذين تحسبهم الدولة عليها ـ الأمر ليس كذلك إطلاقاً ـ وهم من جانبهم يستغلون نقطة الضعف هذه للوصول إلى أهدافهم خلسة وتحت جنح الظلام. ـ مع ملاحظة أن العراق يختلف عن سوريّا بنوعيّة الفرز الطائفي الإثني بين طوائفه؛ في حين أن الاختلاط السوري بين الطوائف، في المدن بخاصّة، يجعل الفرز أقرب إلى الاستحالة.

صرعة المجتمع المدني حيث لا مجتمع ولا مدنيّة، تحرّكها الأسباب لشتم النتائج: قبل أن تحاسبوا الذين تفرعنوا وتسلّطوا وقمعوا، حاسبوا من أوصلنا إلى هذه النقطة.

 

نبيل فيّاض؛ الناصريّة، 4 فبراير

2004 

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها