الكلدان الآشوريون السريان شعب واحد  يسمى بالشعب الآرامي

 

باحث وكاتب سوري نبيل فياضمقالات سابقة للكاتب

باحث وكاتب سوري نبيل فياض

 


روتانا أم كرخانه: محاربة الأصوليّة على الطريقة السعوديّة!!

بقلم: نبيل فياض

ممّا لا شك فيه أن السعوديين يواجهون أزمة حقيقية مع الأمريكان والأصوليين على حدّ سواء: فالأمريكان، من جهة، يريدون من السعوديين استئصال التيارات الأصوليّة فكراً وجماهيراً وتمويلاً ودعاية؛ والأصوليون، من جهة أخرى، يحاربون من أجل فكّ الارتباط العضوي بين النظام السعودي وأمه الحنون جدّاً، الولايات المتحدة الأمريكيّة. الولايات المتحدة، بصقورها من جماعة المحافظين الجدد، هي النقيض المباشر للأصوليّة الإسلاميّة، نظرية وتطبيقاً. النظام السعودي في وضع لا يحسده عدوه عليه. فهو لا يستطيع أن يقول للتيارات الأصوليّة، التي قام على أكتافها حكم آل سعود: وداعاً ـ كان الأصوليّون العباءة العقائدية التي غطّى بها آل سعود كلّ جرائمهم بحق الإنسان، والإنسان السعودي في المقدّمة؛ ولا يستطيع بالمقابل أن يقول للأمريكان take care ، لأنه سيفقد بالتالي الراعي والمربّي والناصح الصديق.

تقوّت الأصوليّة للغاية، لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها الآن، على رأسها رغبة آل سعود بأن يقودوا من جهة، عبر تيارات الإرهاب الإسلامي، العالم الإسلامي بعد انهيار الحلم القومي العربي مع أفول نجم الناصريّة وتحوّل حزب البعث إلى متحف كائنات هلاميّة؛ وأن يخدموا، من جهة أخرى، سادة البيت الأبيض عبر تحريض العقول الإسلامية المستلبة على الدخول في معركة الخاسر الأكبر فيها كان العرب قطباها الولايات المتحدة والكتلة الماركسيّة السابقة؛ هذه الأصوليّة ذاتها، بعد أن أنهت دورها بغباء لا تحسد عليه، صارت الآن العنقاء الأكثر إزعاجاً للعم سام، حتى أضحت كابوسه الأكثر تردّداً بعد أن زال الحلم الماركسي غير الجميل: الفرق بين الكابوس الأصولي والحلم الماركسي هو وضوح معالم الثاني وتحديد أوقات زيارته للفراش الأمريكي.

إذن، فالزواج غير الكاثوليكي الذي عقد قرانه رونالد ريغان في الباكستان، بحضور شاهدين هما رئيس المخابرات العامة السعودي ونظيره الباكستاني آنذاك، بين القاعدة وال CIA، تمّ فسخه بزوال مسبباته: تفكك الإتحاد السوفيتي. والغريب أن الهيام الأفغاني بين الزوجين المصلحيين أضحى نوعاً من العدائيّة الداميّة التي كثيراً ما نقابلها في حالات زواج من هذا النوع.

السعوديون حائرون: فماذا سيقولون لأبنائهم الذين ربّوهم، بالطريقة القاعدية، على كراهية الآخر بل ورفض وجوده؛ على احتقار المرأة واعتبارها متاعاً ليس إلاّ؛ على اعتبار كل من هو غير وهابي قاعدي كافراً مأواه جهنم وبئس المصير، حتى وإن كان هذا الآخر مسلماً سنيّاً حنبليّاً: بعد أن استداروا مئة وثمانين درجة واكتشفوا أن العالم يتسع لنا ولغيرنا وأن المرأة ليست حيواناً غبيّاً وأن الكفر أو عدمه مسألة شخصيّة ونسبيّة؟؟؟

بالمقابل، ماذا سيقول السعوديون للأمريكان، حماتهم ورعاتهم، وهم يرون أجيال السعوديين المتتالية من الأصوليين تترصّد بالقتل العمد كل من تطاله أيديهم من أبناء العم سام؟ البنية المعرفيّة السعوديّة مصمّمة أصلاً لإنتاج إرهابيين؛ وتغيير هذه البنية المتأصّلة منذ زمن طويل يعني خلق نوع من البلبلة في الشعب السعودي لا يبدو أن النظام هناك قادراً على تحمّل نتائجها. ـ ما هو الحلّ، خاصّة بعد سقوط الفاشستي المتبعّث صدّام حسين، وتمركز العسكر الأمريكي بقوّة على حدود مملكة راعي الحرمين؛ وحديث صقور الرفيق بوش عن تقسيم السعوديّة؟

كان ثمّة خيار أمام السعوديين لهلهلة البنى المعرفيّة لوهابييهم عن طريق الإعلام: كيف؟ لاشك أن المواطن العربي، في عصر العولمة، صار مثل أي مواطن عالمي آخر، يشكّل الإعلام جزءاً هامّاً للغاية من صياغة تفكيره ونمط حياته؛ والتلفزيون الذي أراد أخوتنا الوهابيون منعه ذات يوم، صار حاليّاً كالماء والهواء بالنسبة للناس، كلّ الناس، بمن فيهم أبناء الأصوليين أنفسهم. وكان باستطاعة السعوديين استغلال هذا الجهاز الهام لإعادة قولبة التفكير الوهابي الأعوج: لكن ذلك، في ضوء المعطيات الحاليّة، يبدو صعب المنال للغاية:

أوّلاً: افتقاد السعوديين أصلاً لمفكّرين كفؤ يمكنهم مواجهة الحجّة بالحجّة والرأي بالرأي؛

ثانياً: التصحّر الثقافي في مصر، التي غزاها الإرهاب الديني على يد الزعيم المؤمن أنور السادات، الذي استورد كلّ من هو معاد للتقدّم في مصر ما بعد عبد الناصر، لمحاربة اليسار المصري الذي كان أكثر العناصر إخافة لذلك النظام؛ ومثقفو مصر، الذين اشتهروا عموماً بأنهم يكتبون بالقطعة لمن يدفع جيّداً، ليسوا على استعداد لأن يكذبوا على "جماهيرهم"، التي قبضوا من السعوديين لإقناعها بالأصوليّة، بأن تلك الأصوليّة ليست أكثر من وحش مريع يمكن أن يأكل أخضر الوطن ويابسه؛ على الأقل أن يعطوا فرصة كي يستديروا تدريجيّاً ـ هذا إن كانت لديهم أصلاً الوسائل المعرفيّة لإقناع الناس بذلك؛

ثالثاً: التوجّس المتأصّل عند السعوديين من كل ما هو شامي أو عراقي (القطران الأقدر معرفيّاً بطاقات أبنائهم على مواجهة فكر التطرّف، لولا زبانية البعث المتأخونين) للمساهمة في معركة ثقافيّة من هذا النوع: خاصّة وأن سوريّا والعراق تمتازان عن مصر والسعوديّة بالتعدّدية التي طالما أشرنا إليها، والتي توقع الهلع في قلوب السعوديين حتى الآن.

الدعارة هي الحل:

ماذا يفعل أخوتنا السعوديون إذن؟ الحلّ المعرفي الآن غير ممكن، أقلّه لأن أدواته مفقودة، وربما أن ما من أحد من مصلحته تفشي الوعي في الشرق الأوسط الناطق بالعربيّة. ـ حكّ الأمير الوليد بن طلال "رأسه"؛ وفكّر: وجدتها! الدعارة هي الحل. ـ كيف؟ الوليد بن طلال، الذي هو أصلاً "مشموس" [شاهدته مرّة في مؤتمر صحفي مع طيب الذكر مايكل جاكسون ـ سمعت أنه أسلم ـ وكان الأخير يضع رأسه على كتف أميرنا السعودي بطريقة "أنتيم" أكثر مما يتطلّبه الانتعاظ] ورائحته زكمت كلّ الأنوف، لا يمتلك، كسعودي عريق، وسيلة أخرى غير الدعارة يعتقد أن باستطاعتها جذب الشباب من براثن الأصوليّة.

بعد انهيار العراق، وسقوط كل الأنظمة العربية في بركة من الحيرة المفزعة، ازدادت بشكل سرطاني محطّات ـ كرخانات النفط المتلفزة؛ وعلى هامشها ترعرعت طفيليّاً بخجل مرتبك قنوات أصولية قليلة! مع ذلك، فما من محطّة واحدة تنطق بالعربية يمكن القول إنها تخاطب عقل العربي أو وجدانه.

صار مواطننا مثل عنوان أحد كتب أستاذي ومعلمي، كيركغارد، إم.. أو: إمّا عقل في صيرورة تتفيه دائمة التصاعد، على يد الأمير الوليد [اسمه يذكّرني بأمير المؤمنين الوليد الثاني] ومن على شاكلته، أو لا عقل مستلب بإرهاب من شيوخ إجرام فقستهم مصر بنقود سعوديّة. الشيء الوحيد المفتقد في هذه الزحمة : "الكرخانو ـ وهابية" هو العقل. فكرخانة الوليد بن طلال ومحطّات الوهابيين الإرهابيّة المتلفزة وجهان لعملة واحدة: اغتيال العقل.

كم تراجعت ذهنيّاً ومنطقيّاً تلك الكائنات المعادية لداروين، الذي آمن ـ للأسف ـ بالنشوء والارتقاء، المسمّاة بالعرب: في قرن واحد، وبإشراف ناصري بعثي أخواني، أخرج العرب رؤوسهم من التاريخ فسقطوا بأجسادهم كلّها من فتحات الزمن في دوار العدميّة. في بداية القرن العشرين كان قاسم أمين يحمل راية تحرّر النساء؛ في بداية القرن الحادي والعشرين حملت الأخت هيفاء وهبي، التي يقودها الأخ الأمير الوليد إياه، رايات التحرّر تلك بمؤخرتها الأشهر؛ في بداية القرن العشرين كان مهدي الجواهري ومعروف الرصافي وغيرهما يقودون العراق نحو فجر جديد مفعم بالأمل؛ في بداية القرن الحادي والعشرين أضحى مراهق المتعة، مقتدى الصدر، الذي لا يمتلك غير إرثه العائلي، يستعمله كما تستعمل الأخت هيفاء إرثها غير العائلي، في سوق قطعان العراق إلى الهاوية؛ في بداية القرن العشرين كانت إلفت الأدلبي ووداد سكاكيني ومريانا مرّاش يعملن بدأب على تحرير عقل السوريّات من الجهل والماضوية، في بداية القرن الحادي والعشرين تسحب الأخت غير السحاقية منيرة القبيسي نساء سوريا من أنوفهن إلى مستنقع العبودية من جديد؛ في بدايات القرن العشرين كان جورج حبش ونايف حواتمة وبديع حدّاد يرفعون سويّة التفكير الفلسطيني باتجاه عقلنة رفض الواقع المتعب، وفي بداية القرن الحادي والعشرين يقود الشيخ الإرهابي المحنط، أحمد ياسين، فلسطينييه ومن ثم المنطقة كلّها إلى هاوية لا أحد يعرف قرارها.

إن ما يحصل في هذه المواخير التي يقولون إنها محطّات تلفزيونيّة يسيء إلينا للغاية حين يتمّ تفسير هذه الممارسات العاهرة على أنها أحد أشكال التحرّر؛ وهكذا، يسقط المواطن العادي في شرك الخلط بين التحرّر والتحلّل؛ بين الفجور والسفور؛ بين هيفاء وهبي وهدى شعراوي؛ وبين الوليد بن طلال وقاسم أمين.

إن أبسط قواعد التحرّر، وفق أبسط المعايير، تعني احترام الإنسان، جسداً وروحاً، رجلاً وامرأة، طفلاً وكبيراً. وما يقترفه الوليد بن طلال وجوقة العهر المتلفز المحيطة به هو أكبر جريمة بحق الحريّة والإنسان.

نبيل فياض 24 يناير 2004

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها