الكلدان الآشوريون السريان شعب واحد  يسمى بالشعب الآرامي

 

باحث وكاتب سوري نبيل فياضمقالات سابقة للكاتب

باحث وكاتب سوري نبيل فياض

 


هل الإسلام ديانة إرهاب؟

لا أستطيع، منطقيّاً، وضع من لا يشاركني نمطيّة قناعاتي الدينيّة في خانة الكفر!

بقلم: نبيل فياض

شئنا أم أبينا، فنحن ننتمي إلى الأرومة العربيّة، التي تدين بالإسلام؛ وشئنا أم أبينا أيضاً، فنحن نُعامل من الآخر، غير العربي أو غير المسلم، مهما ادعينا العلمنة والليبراليّة والالتزام بحقوق الإنسان، كما عرّفتها الأمم المتحدة، كعرب مسلمين، لنا ما للعرب المسلمين، وعلينا ما عليهم! من هنا، عوضاً عن التنكّر للعروبة والإسلام وشتمهما ليل نهار، ليس من غير المعقول أن نسعى إلى مقاربة منطقيّة إلى ما نراه أنواع خلل بنيويّ في العقل العربي الإسلامي، والتي أدّت في نهاية الأمر إلى وسم العرب المسلمين بالإرهاب!

الخلل الأول: جدليّة فهم العلاقة بين الإلهي والبشري!

الحقيقة التي لا ريب فيها هي أن المسلمين عموماً يفتقدون المنطقيّة الصحيحة لفهم العلاقة بين الإلهي والبشري؛ فرغم تسليمهم جميعاً بأن الله مطلق القوّة وأن لا مجال للمقارنة بينه وبين بني البشر في هذه المسألة، إلاّ أننا ما نزال نلمح في تصرّفات كثير من المسلمين تعاملهم مع الإلهي وكأنه بحاجة إلى وصاية البشري، بمعنى انعكاس الآية منطقيّاً بل وقرآنيّاً، حين نجعل من الإنسان مدافعاً عن الإله؛ في حين أنّ كافّة المعطيات النظريّة تفيد بما يعاكس ذلك! الله، وفق المنظور الإسلامي، لو شاء لجعل الناس كلّهم مسلمين!‍ إذن؛ فهو لا يشاء – فلماذا يريد المسلمون أن يجعلوا العالم كلّه مسلماً، ويعارضوا بالتالي إرادة الله ذاته؟ من هنا يمكننا القول، إن بعض المسلمين، خاصّة المتطرّفين منهم، يستخدمون مفهوم إرادة الله كغطاء لتسويق إراداتهم الذاتيّة؛ ويعملون على فرض ما يدعون أنه تنفيذ لرغبات إلهيّة في حين أنهم ينفّذون رغائبهم الخاصّة! مع أنّ الله، بحسب المفهوم الإسلامي بالذات، لا يحتاج إلى البشري لتحقيق ما يشاء: يكفيه أن يقول: كن! فيكون!

الخلل الثاني: فهم الغير انطلاقاً من الأنا!

سوف ننطلق هنا من أمثلة عينيّة تفسيريّة، يمكن أن تساعد في فهم هذا الخلل الهام! فكباحثين في اللاهوت اليهودي-المسيحي، كنّا نتفاجأ بنوع من السذاجة غير المألوفة عند غالبيّة المثقفين الإسلاميين في مقاربتهم للديانتين "السماويتين" الأخريين: اليهوديّة والمسيحيّة! في المسيحيّة، على سبيل المثال، لا يوجد ما يمكن أن نسميّه بمفهوم "الكتاب المنزّل"! في الإسلام، بالمقابل، يبدو مفهوم "الكتاب المنزّل" المحور الأوّل والأخير الذي يدور الدين حوله! في المسيحيّة أيضاً، بعكس الإسلام، يحتل المسيح المرتبة الأولى إيمانيّاً، متخطّياً بذلك العهدين القديم والجديد؛ فهو، بالنسبة للمسيحيين، الكلمة الحيّة المعاشة؛ أمّا الأسفار المقدّسة، ونقصد بذلك الأناجيل وأعمال الرسل والرسائل والرؤيا، فهي أقرب ما تكون إلى وسيلة لإيصال هذه الكلمة الحيّة المعاشة إلى البشريّة كافّة! من هنا، ليس من المستهجن أن ينشأ في الوسط الأكاديمي اللاهوتي المسيحي ذلك العلم الواسع المسمّى "بالنقديّة الكتابيّة"، أي نقد الكتاب المقدّس، بفروعها الكثيرة التي أضحت أكثر من أن تبحث بمقالة بسيطة؛ بمعنى أنّ قداسة الدين لم تقف حائلاً ضدّ إعمال العقل في العهدين، والوصول من ثم إلى نتائج يمكن اعتبارها في نظر كثيرين متطرّفة، وربما غير مقبولة! ولابدّ هنا من التذكير بمفكّرين مسيحيين أثاروا لغطاً كبيراً في الكنيسة لكنهم لم يقصوا عنها بسبب آرائهم غير المألوفة، من أمثال تيير دو شاردان أو هانس كونغ أو بولتمان، أو بتيارات مسيحيّة مفرطة في عقلنة اللاهوت، من أمثال جماعة لاهوت الصيرورة! بالمقابل، الكتاب المنزل في الإسلام مقدّم على كلّ ما عداه، وتناقله الحرفي الشغل الشاغل شبه الأوحد للاهوتيين المسلمين؛ أمّا النبي، فهو، عقائديّاً، مجرّد ناقل للوحي! لهذا، فالباحثون الإسلاميون عموماً، ينطلقون من ذواتهم في تعاملهم مع الأناجيل وبقيّة أسفار العهد الجديد، التي هي مجرّد نصوص كتبها أتباع المسيح حول سيرته الذاتيّة والتي قد تبدو أحياناً غير متساوقة أو رسائل بعيدة عن المؤسّس زمنيّاً، على أنها الإنجيل "المنزّل" على عيسى: وفكرة التنزيل، كما أشرنا، غير واردة لا من قريب ولا من بعيد في اللاهوت المسيحي؛ مع ذلك، فاللاهوتيّون المسيحيّون يفهمون بالكامل مصطلح التنزيل الإسلامي! من هنا، وباستثناء بعض كتابات قدّمناها للمكتبة العربيّة أهمها كتابا النصارى والمسيح والميثولوجيا، لا توجد دراسات موضوعيّة تبحث في اللاهوت المسيحي، صادرة عن مثقفين عرب من خلفيّة إسلاميّة؛ مقابل مئات الكتب التي تغطّي كل الحقول الإسلاميّة، الصادرة عن باحثين مسيحيين بلغات عدّة! وما ينطبق على الفهم الإسلامي للمسيحيّة، ينطبق أيضاً على الفهم الإسلامي لليهوديّة، التي تشعبت إلى درجة التناقض، من جماعة إعادة البناء أو الريفورم، الذين يتعاملون مع النصوص المقدّسة على أنها ميثولوجيا بمراس تاريخيّة [راجع هنا كتابنا: ابراهيم بين النصوص التاريخيّة والدينيّة إلى تيّار الأولترا-أورثوذكس، من أمثال ناطوراي قارتا، الذين يأخذون النصوص المقدّسة بحرفيّتها التنزيليّة، مروراً بالقباليين الذين يحاولون كسر حدّة الحرف بشيء من التصوّف الأفلوطيني! والساحة اليهوديّة، التي لا تنقصها العقلانيّة إلى حدّ ما، تتسع لأشخاص من نمط زئيف هرتسوغ، ينكرون شخصيّات الكتاب المقدّس بنوع من الإصرار المعنّد ربما، إلى عوباديا يوسف وأرييه درعي، اللذين يأخذان التوراة بعقليّة المجسّدة المسلمين! وحتى الآن لم نحظ بعمل أو نقاش حول اليهودية من الأطراف الإسلاميّة، يحملان أدنى بصمات الموضوعية، التي تخرج عن إطار المقولات التقليديّة المتوارثة! وما قلناه عن هذين الدينين ينطبق أيضاً على الأفكار الوضعيّة!

إنّ أبسط متطلبات العلم، في تناول الآخر، هي النظر إلى هذا الآخر بمنظاره هو، أو بمنظار حيادي على الأقل، لا بمنظارنا نحن! ودون ذلك، سنظلّ ندور في حلقاتنا الذاتيّة الخاصة، التي لا يمكن أن تزيد على تراكمنا المعرفي شيئاً!

الخلل الثالث: افتقاد حسّي الزمان والمكان!

لو سألت أحد سكّان الحجاز، في القرن السابع الميلادي، عن مفهومه للسماء؛ لأجاب: إنها سقف لا عمد له، تزيّنه الأضواء، أزرق اللون نهاراً، مظلمه ليلاً؛ ولو أعدت السؤال ذاته على شخص في طوكيو في القرن الحادي والعشرين؛ لقال: هنالك فراغ تسبح فيه النجوم والكواكب؛ واللون الأزرق سببه فيزيائي، لا علاقة له لا بالسقف ولا بالأعمدة! ولو سألت بالطريقة ذاتها عن بقعة دم تتناثر على أحد الطرق؛ لأجاب الأوّل: سائل لزج أحمر قاتم؛ وأجاب الثاني: كريّات حمراء وبيضاء.. إلخ! إذن، للتراكم المعرفي دوره في فهمنا للأمور، وهنا يلعب الزمن الدور الأهم! من ناحية أخرى، لتبدّل المكان دوره الهام أيضاً في تبدّل المفاهيم والعادات والأعراف والتقاليد! في المكان تتداخل العوامل البيئيّة بالمناخيّة بالطبيعيّة لتنسج منه شيئاً مغرقاً أحياناً في خصوصيّته. وإذا ما أخذنا مثالاً ما اصطلح على تسميته بالديانات الرعوية والديانات الزراعيّة، يمكن القول إنّ التقويم، ومن ثم الأعياد، في الديانة الرعويّة، مرتبط بالقمر؛ في حين أنّ الأعياد، في الديانات الزراعيّة، ترتبط بالشمس! المسيحيّة، الزراعيّة بامتياز، كلّ أعيادها تعتمد التقويم الشمسي؛ في حين أن اليهوديّة، الزراعيّة الآن، والرعوية ذات يوم، والتي تحتفظ بسمات من الطرفين، تمتزج في تقويمها وعاداتها الشمس بالقمر! الإسلاميّون، في تناولهم لكلّ الأشياء من "منظور الأبديّة"، يسقطون من حساباتهم دائماً مسألة النسبيّة ذات الدور المحوري؛ وإذا ما أخذنا مسألة الأنوثة على سبيل المثال، والتي تمتزج فيها العناصر الاجتماعيّة بالبيئيّة بالميثولوجيّة، فسوف نجد أن الفقه الإسلامي ما يزال يتناول مفاصل فيها عفا عليها الزمان وكأنها محوريّة: من ذلك قضيّة التقسيم غير الموجود حاليّاً للنساء إلى حرّات ومستعبدات، وما ينتج عن ذلك من قضايا تستهلك كثيراً من الوقت والجهد كالحجاب، الذي هو وجد أصلاً للتمييز بين الحرّات وغير الحرّات! لكن الانغلاق الإسلامي على الأنا المتضخّمة، التي لا ترى شيئاً عداها، يجعل من مناقشة أي شيء دون عدائيّة، وبالحدّ الأدنى من الموضوعيّة، ضرباً من المستحيل! 

الخلل الرابع: العقل النقلي لا النقدي!

مما لا شكّ فيه أنّ الفكر الغربي الحالي لم يصل إلى ما هو فيه إلاّ عبر روح النقد، التي تسلّلت، باديء ذي بدء، من نافذة الشكوكيّة! في الفكر الغربي، ومنذ أيام اسبينوزا، لم يعد ثمّة شيء بمعزل عن روح النقد؛ بلّ إن مفكّرين عظماء من نمط نيتشه في عدو المسيح وشفق الأوثان، أو فويرباخ في جوهر الدين وجوهر المسيحيّة، قبل أكثر من مائة عام، لم يتركوا مسلّمة إلاّ وتناولوها بسهام العقل، غربلوها في منخل المنطق، فرفضوا ما رأوا أنه مناقض لمقولات الواقع الموضوعي، وقبلوا ما هو عكس ذلك! وقد تسلّل النقد، بمرور الزمن، ليطال كلّ البنى المعرفيّة في الغرب. بالمقابل، فقد وقفت طبقة رجال الدين في الإسلام حاجزاً ضد أية مقاربة عقلانيّة للتراث تحت ظلال حجج واهية، فكرّست بالتالي تقديس النقل في مواجهة العقل. وهكذا، فإذا كان ثمّة حاجز على التفكير أو المخيّلة يمنع الخوض في عالم اللامحسوس، دنيا المخيّلة أصلاً، فمن المنطقي بالتالي أن تكون المقاربات النقديّة إلى العالم المحسوس ممنوعة أيضاً. من هنا، ليس من المستغرب أن تتسع النقديّة في الغرب، منذ أيام فلهاوزن، لتجتاح أدقّ تفاصيل الكتاب المقدّس بعهديه؛ في حين يمنع على المسلمين التفكير نقديّاً حتى في نصوصهم التاريخيّة!

الخلل الخامس: العزلة المعرفيّة عن الفكر العالمي

في عالم الاستشراق الألماني، على سبيل المثال، يصعب أن نجد مقولة إسلاميّة لم يناقشها هذا المستشرق أو تلك المستعربة! وإذا ما حاولنا الدخول إلى حقل الدين المقارن الألماني، الذي نناقش مقولاته منذ سنين، والذي يعرف هذه الأيام نهضة حقيقية خاصة في لايبتسغ، يمكننا أن نصادف عملاً طليعيّاً لأبراهام غايغر من بدايات القرن التاسع عشر، والذي حمل اسم ماذا أخذ محمد عن اليهوديّة، مروراً بيوسف هوروفيتس، الذي ترجمنا له عمله المختصر المفيد رحلة محمّد السماويّة [حملت الترجمة عنوان: حكايا الصعود] حيث تناقش قصّة الإسراء والمعراج بتحليليّة فائقة، وهاينريش شباير، صاحب العمل الموسوعي، الحكايا الكتابيّة في القرآن [نشرنا أجزاءه الثلاثة الأولى]، حتى تلمان ناغل، الذي اشتهر بتحليله النقدي لظاهرة الاعتزال. هذا غيض من فيض يحتاج إلى أعمار كثيرة لفهمه واستيعابه.- فما هو الواقع المعرفي عند المسلمين، الذين هم الأجدر بمناقشة تراثهم وتحليله بعين الناقد غير المنحاز؟ تبدو عبارة "العطالة المعرفيّة" التوصيف الأشمل للوضع البحثي الإسلامي. ليس هذا فحسب، بل إنّ الذين ينصبّون من أنفسهم أولياء أمور الثقافة في البلدان ذات الغالبيّة الإسلاميّة، إنما يسعون بكلّ ما أوتوا من قوة، إلى إقامة سدود نقليّة ضد أية محاولة نقديّة يمكن أن تهز شيئاً من المتعارف عليه في هذا الوسط. وكلّ من يعرف تجاربنا في سوريّا، وتجربتنا الوحيدة في الكويت، وقت احتج التيار الإسلامي الأصولي على إدخالي بعض أعمالي إلى معرض الكتاب في الكويت، بل طالبوا بمحاكمة المسئولين عن هذه السابقة، يدرك دون جهد عقلي أنّ طبقة الكهنة الإسلاميّة، تحتكر لذاتها، دون أدنى مشروعيّة، حقّ فهم الإسلام وتفسيره وتقديمه للغير، مسلمين كانوا أم غير مسلمين: وكلّه في إطار الانغلاق على الذات والفهم التقليدي النقلي الذي يسقط من اعتباره أي شكل مقاربة عقلانيّة! ليس هذا فقط، فضمن هذا الانغماس الصَدَفي في الأنا البالغة التضخّم، ترفض هذه الطبقة أي منظور يخالف ما تناقلوه، وتستخدم إمكانياتها الهائلة، عبر ما نسميّه "العمامة في خدمة السيف"، لإسكات كل من تراود له نفسه التفكير بغير أسلوبها!

إنّ مناقشة هذه الأنواع من الخلل المعرفي، بشفافيّة عالية ودون تحفّظ، قد تكون أحد المداخل إلى معالجة الأسس المعرفيّة للإرهاب! الإرهاب ليس حالة جينيّة وراثيّة مستحيلة العلاج أو التعامل: الإرهاب، أولاً وقبل كل شيء، حالة معرفيّة لا يمكن القضاء عليها إلاّ بتشخيص أسبابها وأعراضها وطريقة الاستشفاء منها!

الكهنوتيون الإسلاميّون، عبر تغذيتهم لأنواع الخلل المذكورة آنفاً – وغيرها كثير – هم المسئولون، أوّلاً وأخيراً، عن إفساد عقول الأجيال بخرافات عفا عليها الزمان، عن حصر الناس ضمن مقولات بعينها لا تخلق غير الكراهيّة والبغضاء بين بني البشر، وعن مصادرة كل فكر جديد لا يروق لهم.

وكما قلنا وسنقول باستمرار، الله لا يحتاج إلى تلك الطبقة المستحاثيّة النتنة كي تدافع عنه: إنه الأقوى بعرف الجميع؛ وإذا ما أعدنا فهم الألوهة بطريقة تخالف ما أورثتنا إياه الطبقة ذاتها، فذلك يعني إعادة تقديم الألوهة إلى العالم الذي نفّرته الطبقة منها!

الله حب: وبذلك فهو يسكن في قلوب الجميع؛ وحين نقنن فهمنا لله بالدم والسيف والكراهية فنحن بذلك نجعله على قياس تلك الطبقة فقط!

أبعدوا الكهنوت الإسلامي عن احتكار الله خدمة لمصالحه الماديّة أولاً؛ غيّروا كليّات الشريعة، وسوف تجدون كيف ينتهي الإرهاب دون خدمات الأمريكان أو البريطانيين!

 

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها