الكلدان الآشوريون السريان شعب واحد  يسمى بالشعب الآرامي

 

انطوان نجمانطوان نجم

 

اقرأ المزيد...


رسالة إلى المسيحيين

المقدمة

 في الأزمات لا بد من وقفات تأملية تبحث في ما جرى ويجري. تحلل. تستكشف. تقوم. تستعرض المسافة التي قطعت. تصحح المسار وترسي قواعد عمل مستقبلية.

في هذا المجال، وبعد هذه السنوات من المقاومة المسيحية والتي كان فيها صعود وهبوط، نجاح وفشل، أيام خيبة، عندنا الكثير الكثير مما ينبغي الوقوف عنده وقوله.

ولكن علينا في مثل ظروفنا القائمة، بنوع خاص، العودة إلى النظر في أسس المشكلة والتركيز عليها، اولا ً كي لا ننسى، وثانيا ً لأنها المنطلق الذي بدونه لا تشخيص صحيحا ً لواقعنا ولا رؤيا صالحة لمستقبلنا .

وأس الأساس لهذه الرؤيا هو أن نبقى. وأن نبقى مسيحيين أحرار في وطننا لبنان، لا في مكان آخر. وأن تبقى المسيحية في هذا الشرق، ومن خلالنا، " دائما ً حرة، سيدة، أمينة على تراثها ومصيرها ".

وأس الأساس ألا نضيع في غيرنا. ألا نذوب .

إننا نؤمن مع شارل مالك بأنه لا يجوز أن " تسحق ( اي اقلية ) او تصهر او تكبت او تزول ". وبأنه " إذا سقطت المسيحية الحرة في لبنان – ولبنان آخر معقل لها في الشرق – أنتهى أمرها في الشرق الأوسط كله، بل في آسيا وافريقيا ".

وإذ أوجه هذه الرسالة إلى مواطني المسيحيين مقترحا ً هذه " الأفكار " فمن منطلق الرغبة في المحافظة على ذاتنا وفي إنقاذ " الحرية الشخصية الكيانية المسؤولة"، وتأمين التعايش السلمي بين المسيحيين والمسلمين على أسس الحرية والمساواة والعدالة .

ما يأتي في هذه الرسالة لا يستنفد كل ما ينبغي قوله في هذا المجال. إنما هو بعض معالم في درب طويل محجته وصول كل ذي حق إلى حقه.

لذا أتمنى أن يتناولها كل مهتم بالشأن العام، فيوسعها نقدا ً ونقاشا ً وبحثا ً. فنتآزر في تغذيتها من خلال ما سيقال فيها وعنها، ومن ثم في استخلاص ما يساعدنا على بلورة تصور يرسي حياتنا على قواعد الحرية والسلام والصدق والتآلف والتعاضد والإستقرار .  

في مطلع الخمسينات، تسنى لي في مدينة طرابلس إلتقاء ميشال عفلق، مؤسس حزب البعث العربي – وكان يومذاك لا يزال مسيحيا ً – لأسمع منه عرضا ً لنظريته في القومية العربية. فوجدت نفسي، انا المسيحي، أناقش مسيحيا ً آخر في مفهوم انطلاقته ومحتواه ومرتجاه إسلامية صريحة .

 وكذا الأمر في فترات لاحقة اذ كنت ألتقي مسيحيين آخرين أعضاء في الحزب السوري القومي الاجتماعي، أناقشهم في مفهوم طرح نفسه حلا ً وسطا ً بين نعرتين، على ما يقول مؤسس الحزب، واحدة مسيحية وأخرى إسلامية ولكنه مفهوم أسلم في نهاية الأمر .

وصودف في نهاية الصيف من العام 1980 أن كنت، انا المسيحي الماروني، في وفد يمثل القوات اللبنانية لمفاوضة وفد يمثل الزعيم الدرزي وليد جنبلاط تحت مظلة السلطة اللبنانية. فكان ممثل الدروز، في اللقاءات الاولى، المسيحي الماروني سمير فرنجية، وممثل السلطة المسيحي الماروني العقيد جوني عبده .

 وفي العام 1991، كنت عضوا ً في وفد من القوات اللبنانية، يحاور وفدا ً من الحزب الشيوعي اللبناني، اعضاؤه كلهم مسيحيون .

وكاد لا يبقى الا ان يوفد " حزب الله " مسيحيا ً ليحاور المسيحيين بأسم الحزب ويفاوضهم. فتكتمل الحلقة . ويكون المسيحيون موزعين على جميع الاتجاهات العقائدية والسياسية .

فهل لهذا الواقع من تفسير ؟

أجل . وحتى تفاسير .

أهمها وأعمقها أن هؤلاء المسيحيين، وسواهم بلأمس واليوم، من أمثال مكرم عبيد باشا وبطرس بطرس غالي في مصر، وطارق حنا عزيز في العراق، وفارس الخوري في سوريا، وسليمان البستاني في الحكومة العثمانية ( وهم على سبيل المثال فحسب ) تصرفوا ويتصرفون بدافع عقدة الشعور الاقلوي. ذلك الشعور الإنهزامي، الإستسلامى، الإنسياقي، المساير الذي طالما دفع بالاقلويين إلى المزايدة على الأكثرية لأسباب تتراوح بين حدين: الخلفية الوصولية وشعور بالإطمئنان أكبر، مرورا ً بالمصالح الإقتصادية والإنتفاعية المالية المباشرة. علما ً بأن الشعور الاقلوي، بحد ذاته، قد يكون حافزا ً لوعي الذات وإنماء قدراتها، ومؤججا ً لغريزة البقاء، فدافعا ً للمقاومة والمواجهة بشجاعة.  

وكان تفشي عقدة الشعور الاقلوي بالقدر الذي أخذ فيه المسيحيون يلمسون تأثير محيطهم عليهم، سلبا ً وايجابا ً. فوعوا تشعبية حضورهم الجيو – سياسي في هذه المنطقة من العالم. هذا الوعي جعلهم يعمقون أمرا ً واحدا ً في ما بينهم، من جهة، ويتفرقون، من جهة أخرى. أجمعوا على المعاناة والهواجس والتفتيش عن حل يحترم وجودهم وحريتهم وكرامتهم. وأفترقوا في الحلول المرتجاة. أتفقوا على فكرة الهدف. وأختلفوا على تصور الوسيلة. ولا يزال الآمر على حاله منذ مئة عام ونيف. وقد أتخذ السبل التالية .

اولا ً – العروبة والقومية العربية  

إبتداء من الثمانينات من القرن الماضي اعتقد بعض المثقفين من المسيحيين أن تحقيق ما يصبون اليه يتم عن طريق " عروبة علمانية "، تحررهم من الحكم العثماني وتقيم المساواة بينهم وبين المسلمين. وعبر عن أفكارهم على نحو واضح نجيب العازوري في قوله :" وبهذا التدبير تكون قد حات المعضلة الكبرى، أعني فصل الدين الاسلامي عن الدولة المدنية ويكون في هذا الحل خير لجميع الفرقاء " (1) .

لكن صدمة انهيار الامبراطورية العثمانية وتهافت المسلمين على العروبة أبرزا وجهها الصحيح ومضمونها الحقيقي ولونها الأصيل. فإذا هي إسلامية الشكل والمضمون والرؤيا .

ولا يجوز أن نخلط بين هذا المفهوم والقول بأن " الاسلام هو العروبة، والعروبة هي الإسلام ". الإسلام، على أنه دين، يتخطى اي تيار سياسي ووطني محدد. فما من تيار سياسي يستوعب الإسلام، على انه كل، ويشمل مسلمي العالم أجمع ( الأدنى لا يستوعب الأعلى ). لذا لا بد من الاشارة هنا، ولو سريعا ً، إلى أن الدين الإسلامي لا يلزم المسلمين جميعا ً في كل أقطار العالم بانشاء دولة واحدة لهم. الإسلام يلزمهم بالتعاضد العميق ( " إنما المؤمنون أخوة ") وبأن تسوس الشريعة مجتمع المسلمين وأن يكون الإسلام هو النظام السياسي لهذا المجتمع، أيا ً كان حجمه ومداه .

أما لماذا تشكل " الوحدة العربية " مطلبا ً إسلاميا ً وهدفا ً أساسيا ً للاسلام السياسي عندنا ( 2 ) وفي الدول العربية الإسلامية فلأن الحنين إلى الوحدة هو ثابتة في الخلفية الواعية واللاواعية عند المسلمين العرب، بصرف النظر عن "الشكل" الذي يمكن أن تتخذه هذه الوحدة. فهي اليوم تستعير مفهوم الدولة العصرية، بينما في السابق أخذت مفهوم الخلافة او الاستمرارية في الحكم لعائلة حاكمة معينة .

وتأكدت إسلامية العروبة على نحو مضطرد حتى أيامنا. وافضل من عبر عن هذه الحقيقة، على سبيل المثل فحسب، ثلاثة : مسيحي سابق، ومسيحي قلق، ومسلم سني من أقرب القوميين العرب إلى الطروحات غير المتشنجة .

المسيحي السابق هو ميشال عفلق. فقد رأى في " العروبة جسما ً روحه الإسلام " (3) و أن قوة الإسلام قد بعثت وظهرت بمظهر جديد هو القومية العربية " (4) . وكان عفلق منطقيا ً مع نفسه ومخلصا ً مع عروبته حين أشهر إسلامه فاذا هو أنموذج للعروبي الخالص .

أما المسيحي القلق فهو المصري غالي شكري الذي علق على إشهار عفلق إسلامه بتساؤل :" هل مات "الأستاذ" بعد ان أكمل دينه القومي؟ وهل غادرنا ميشال عفلق وهو يقول للمسيحيين العرب : لستم عربا ً حتى تسلموا ؟ "(5). وقد عنون شكري غالي مقالته التي أخذنا منها هذا النص بالتالي :" المسيحيون والعروبة : من يدفع الثمن ؟". وهو عنوان حري بالتأمل .

والمسلم السني هو منح الصلح. لنقرأه يقول :" فالقومية العربية مثلا ً لم تنشأ بالاصل لتقوض ما كان سائدا ً من حكم إسلامي او من دولة عثمانية كانت تمثل في حينها وحدة المسلمين. بل ان القومية العربية برزت تاريخيا ً بعد فشل الدولة العثمانية .  

ونشأت القومية العربية لتحمل نفس الراية التي حملها الإسلام من قبل وهي راية جمع المنطقة والحفاظ على طابعها الحضاري وقيمها وأديانها ورد الاعتداء عليها. فالعروبة هي محاولة أخرى بعد انتكاس المحاولة الإسلامية التي مثلتها الدولة العثمانية . والذين حاولوا أن يصوروا العروبة كعدو للاسلام مخطئون. كما ان الذين أرادوا اعطاء العروبة مفهوما ً معاديا ً للاسلام، وللدين بشكل عام، أضروا بالعروبة سواء عن تآمر او عن جهل. فالقراءة التراكمية – التعاقبية للدين والقومية هي القراءة التي أومن بها وأعتقد أن أكبر إسفين يمكن أن يدق بين الجماهير وبين الطلائع هو الزعم بأن الطلائع عروبية وبأن الجماهير إسلامية وبأنه ليس هناك من مجال في المصالحة او التفاهم بين إسلام الجماهير وعروبة الطلائع "(6) وكان منح الصلح، قبل ذلك بثماني سنوات، وفي معرض كلامه على إسلام الحاكم واسلام الجماهير، قد أكد على " العلاقة الخاصة والحميمة " بين الإسلام والقومية العربية (7).

وشهد شاهد من أهله، عندما قال الدكتور محمد علي مكي :" إن المسيحيين أرادوها اي (العروبة) علمانية، بينما أخذها المسلمون عروبة إسلامية "(8) . وكأنما وديع البستاني يعبر عن تلك المرارة وذلك الفشل اللذين اعتمرا قلوب العروبيين المسيحيين بقوله :

                         هذي جناية حر             لم يدر كيف جناها

                          غنى العروبة عمرا ً      وعاش حتى رثاها

ثانيا ً – لبنان الكبير والقومية اللبنانية

بموازاة العمل للعروبة وعلى أنقاضها معا ً، نجح مسيحيون من لبنان، وفي مقدمهم موارنته، في خلق دولة لبنان الكبير في العام 1920.

ومع الوقت، أكتسب المؤمنون بالكيان اللبناني الجديد صفة القوميين اللبنانيين، خصوصا ً في مناهضتهم لقوميتين تناقضانهم هما : القومية العربية والقومية السورية .

 وأعتقد القوميون اللبنانيون – او بعضهم، على الأقل – أن مشكلة المسيحيين اللبنانيين حلت على نحو نهائي. فالدولة المعلنة لا يمكنها، بفعل تكوينها ونشوئها، أن تكون دينية إسلامية. وحقوق المسيحيين فيها حقوق مواطنين كاملي المواطنية. وجاء رفض المسلمين العام للكيان الجديد واستنكافهم عن المشاركة في وضع الدستور في العام 1926، وابتعادهم عن الوظائف الحكومية، ووقوفهم موقف العداء تجاه الانتداب، لتسمح للمسيحين بأن تكون لهم الحصة الكبيرة في وظائف الدولة وادارتها وسياستها .

ومع ذلك، لم ينتفِ القلق. لا بل أخذ يزداد مع التغيير في موازين المعادلة الطائفية ونجاح العرب في التدخل صراحة وجهارا ً في شؤون لبنان .

فمنذ العام 1920 وحتى الميثاق الوطني في العام 1943، كان التوتر على أشده بين مجموعتى لبنان. ففي مواجهة مؤتمر دمشق في العام 1929 ومؤتمري الساحل في العامين 1933و 1936، وتأسيس الحزب السوري القومي في العام 1932 وانشاء" عصبة العمل القومي" العروبية في العام 1933، ومنظمة النجادة في العام 1936، تأسست حركات قومية لبنانية من مثل السباقة اللبنانية والوحدة اللبنانية والكتائب اللبنانية، فضلا ً عن انتشار التيار اللبناني المسيحي العارم الممثل بالسياسي الكبير اميل اده. وجوبه وشوك وصول الشيخ محمد الجسر إلى رئاسة الجمهورية في العام 1934 بحل مجلس النواب وتعليق الدستور. وجاء بيان مسيو فيينو (9) الذي حصل عليه الرئيس إميل اده من رحلته إلى باريس ليقطع الطريق على أي بتر جغرافي للبنان .

وبعد المثاق الوطني وارساء صيغة 1943 على ما صارت اليه؟، بقي المسيحيون خائفين على الكيان اللبناني الذي هددته محاولات الوحدة الاقتصادية مع سوريا في مطلع الخمسينات، وأحداث 1958، وقيام " الدويلة " الفلسطينية في داخل دولة لبنان، ونشوء التنظيمات الإسلامية الأصولية المسلحة بدعم من الجمهورية الإسلامية في إيران، وأخيرا ً لا آخرا ً، استمرار سوريا في سعيها الحثيث لضم لبنان اليها .

واذا شئنا أن نلخص تجربة المسيحيين بعد دعوتهم إلى القومية اللبنانية وتجسيدها في نظام حكم ذي خلفية إنصهارية تذويبية أقامته صيغة 43، قلنا إن المسيحيين لم يحققوا ما كانوايصبون اليه. ولم ينجحوا في تحقيق الهدف المعلن من الصيغة وهو توحيد المجتمع اللبناني. ومشكلتهم لم تحل الا على نحو جزئي. ذلك أن إيجابية الكيان اللبناني الأساسية تكمن في أنه حال دون حكم الآكثرية الاقليمية مباشرة .

ثالثا ً – القومية السورية

وعى انطون سعادة، مؤسس الحزب السوري القومي، بوضوح تام وضع المسيحيين في العالم الإسلامي، وأحس حتى عمق أعماقه بمعاناتهم، وها هو يقول :" في الدولة الدينية لم يكن للمسيحيين حق بل كانوا تحت الحماية – أهل ذمة – والمحمي ليست له حقوق العضوية في الدولة الدينية، نفس الحقوق المدنية والسياسية " (10).

ولحل هذه المشكلة أطلق نظريته القومية. يقول :" فإذا كانت النعرة الفينيقية هي ال THESE والنعرة العربية هي ال ANTITHESE او بالعكس، اي اذا كانت النعرتان الدينيتان تضعان نظريتين متعارضتين، فمما لا شك فيه ان مبدأ وحدة الأمة السورية المؤلفة من سلالتين أساسيتين مديترانية وآرية، من العناصر التي كونت في مجرى التاريخ المزاج السوري والنفسي والعقلي، هو المبدأ الذي يقدم ال  SYNTHESE  او المخرج النظري من تعارض النظريتين، مذهبا ً واحدا ً هو القومية " (11).

إننا لا ننظر إلى هذا النص من زاوية ما يريد صاحبه أن يضع فيه من ديالكتيكية مصطنعة، ولا من زاوية التساؤل كيف أن حدي منطق دينيين يولد نتيجة علمانية، ولا من زاوية البحث في السلالات. إنما نشير إلى أن سعادة يبرز عقيدته على انها "مخرج" يصهر " السوريين " جميعا ً في بوتقة مجتمعية واحدة . فيتحقق، بنظره، هدف المسيحيين في المساواة، وتخيم، بالتالي،الأخوة القومية على الجميع. فهل وصل سعادة إلى النتيجة التي رمى اليها ؟

لم ينجح سعادة قط في إقناع المسلمين بقوميته العلمانية . واكثر من ذلك . فقد تنازل عن مبدإه الاساسي القائل بأنه " لا يمكن أن تتأسس دولة قومية بالمعنى الصحيح على الدين " (12)، ليعود ويؤكد على وحدة أمته بوحدة دينها، وليضع هذه الأمة الموحدة الدين بمواجهة أمة أخرى، هي اليهود، التي تنتمي، نظريا ً وعلى حد قوله، إلى الدين نفسه (13)، ولكنها صاغته دينا ً خاصا ً بها إلى درجة أنه أصبح خطرا ً على الأمة السورية وعلى دينها في آن معا .

ففي رسالة له إلى القوميين والأمة في 2 تشرين الثاني 1947 يقول سعادة :

" ليس من سوري الا وهو مسلم لرب العالمين. فاتقوا الله واتركوا تأويل الحزبيات الدينية العمياء. فقد جمعنا الإسلام: منا من أسلم لله بالانجيل ومنا من أسلم لله بالقرآن ومنا من أسلم لله بالحكمة. فقد جمعنا الإسلام وأيد كوننا أمة واحدة. فليس لنا من عدو يقاتلنا في ديننا ووطننا غير اليهود " (14).

لننتبه إلى هذه الجملة :" فقد جمعنا الاسلام وأيد كوننا أمة واحدة ". ففضلا ً عما في هذا الكلام من تناقض واللاهوت وعلم الكلام .

وفضلا ً عن وقوع سعادة في ما كان ينفيه على نحو مطلق وهو اعتبار الدين عنصرا ً من عناصر الأمة، وها هو يجعله هنا مثبتا ً لوحدة الأمة وشاهدا ً لها .

ففي هذه الجملة، بل في النص كله، إرتماء في حضن " الآكثرية " في المنطقة وانسياق لها .  

لقد استسلم لها سعادة وتبنى تطلعاتها. واضطر السوريون القوميون الاجتماعيون، في ما بعد، إلى الغرق اكثر فأكثر في عروبة يبدو أنها لم تعد " وهمية " على ما كان سعادة ينعتها .    

رابعا ً – الماركسية :

في العام 1924، أنشىء في لبنان وسوريا حزب شيوعي بهمة مسيحيين من أمثال اسكندر الرياشي ويوسف ابراهيم يزبك ... واستمر الحزب بقيادة مسيحيين آخرين من مثل فرج الله الحلو ونقولا شاوي وجورج حاوي .  

الماركسية – اللينينية التي يعتمدها كل حزب شيوعي تعتبر أن الوجود الحقيقي هو الوجود الطبقي، والصراع الحقيقي هو الصراع الطبقي. هذا ما تعلمه المادية التاريخية القائمة على المادية الديالكتيكية. والدين، الذي هو أفيون الشعوب، لا يغطي حقيقة الصراع الطبقي .

لذا ضرب الشيوعيون على نحو مستمر على هذا الوتر وعلى وتر محاربة الإمبريالية. أما تأكيدهم على التحرر الوطني فكان يهدف ضرب الإستعمار والإمبريالية. وتأييدهم لاستقلال لبنان وسوريا في مؤتمرهم الاول في أواخر 1943 – أوائل 1944 لم يكن تأييدا ً لمفهوم قومي معين بقدر ما كان " ضد كل سيطرة إستعمارية أجنبية " (15). ذلك أن أمميتهم كانت تعتبر القومية مفهوما ً برجوازيا مرفوضا ً. ولم يكونوا ليهتموا لواقع الانقسام الوطني على أساس ديني. فالفلسفة الماركسية ترى أن التناقض الاساسى هو التناقض بين الطبقات لا في شيء آخر، وترى الصراع الطبقي الطريق الوحيد لحل هذا التناقض. أما نظرتهم العربية فكانت محصورة ب" تمتين روابط التضامن الأخوي بين لبنان وسائر الأقطار العربية، وتطوير العلاقات الإقتصادية والثقافية بينه وبينها "، على ما جاء في أحد البنود في الميثاق الوطني الذي أقره الحزب في مؤتمره الاول (16).

وفي مجال النقد الذاتي في ما بعد لمرحلة الاربعينات ومطلع الخمسينات ( 1939 – 1953 ) (17)، أقر الحزب الشيوعي انه استصغر القضايا القومية وأهملها ولم يفهمها بشكل موضوعي بسبب نظرته الدوغماتية للقضايا القومية (18) و " اعتماد خط يساري إنعزالي في تطبيق شعارات الجبهة الوطنية " (19).

إنما منذ العام 1956، اخذ الحزب يخرج من " إنعزاليته " بتبنيه شعار الوحدة العربية. وفي مؤتمره الثاني في تموز 1968، إعترف الحزب ب " أن طموح الجماهير العربية الواسعة إلى الوحدة هو وليد الواقع الموضوعي لتطور العالم العربي وللروابط التاريخية بين مختلف أجزائه " (20) .

وتطورت عروبة الحزب الشيوعي على نحو تصاعدي إلى درجة أنه في الوثيقة المطروحة للنقاش تحضيرا ً لمؤتمره السادس، وفي عهد أمينه العام جورج حاوي، قال : " دافع الحزب بحرارة عن " القضية القومية العربية " وأكد وجود " أمة عربية " ذات امتداد تاريخي، وذات تراث حضاري وثقافي وروحي ... " (21). وفي الوثيقة إياها يعترف الحزب الشيوعي ب " أن النضال من أجل الوحدة العربية هو في مقدمة المهام النضالية التي تواجه كل شعوب الأمة العربية، وقواها التقدمية، بما فيها شعبنا اللبناني وحزبنا الشيوعي "(22). وقالت الوثيقة ايضا ً :" عروبة لبنان هي انتماؤه القومي العام ضمن حركة التحرر الوطني العربية " (23). وقد أقر المؤتمر هذا التوجه على نحو نهائي .

إن من يدرس بتمعن وثائق الحزب الشيوعي في مؤتمراته منذ المؤتمر الثاني يلاحظ بكل سهولة أن الماركسية – اللينينية " اضطرت " إلى مناقضة أمميتها الأصلية تحت ستار فهم جديد للأممية وللعلاقة بين الأممي والقومي، بغية الدخول في وجدان " الأكثرية " في العالم الإسلامي العربي. أما معرفة مدى النجاح في هذا الهدف او فشله، او النظر في صحة الأممية الماركسية من أساسها، فذاك موضوع آخر.

إن الماركسيين لم يذهبوا من أجل الانخراط في " الأكثرية " إلى حد الأسلمة الدينية على ما فعل انطون سعادة . فقد اكتفوا بمجاراة التيار العروبي الذي يفضي واقعا ً إلى الأسلمة الوطنية – السياسية، وتغاضوا عن الجانب الديني الذي يحرك، أساسا ً، هذا التيار. لقد سعوا لاستيعاب المسلمين،  فاستوعبتهم الأكثرية الاسلامية .

إن في ما آل اليه الماركسيون كل اليأس، ايضا ً، من جذب الأكثرية. لقد استسلم الماركسيون اللبنانيون لهذه الأكثرية وتبنوا تطلعاتها .

خامسا ً – التيار العلماني اللبناني :  

عمل مسيحيون كثيرون على صعيد فردي من مثل المحامي عبدالله لحود والاب كبريال مالك، او جماعي، من مثل حزب الكتائب اللبنانية (24) وحزب الكتلة الوطنية اللبنانية (25) ونقابة المحامين في بيروت في مطلع الخمسينات، على إقرار تشريعات علمانية تنهي في يقينهم، رويدا ً رويدا ً، الواقع الطائفي السياسي في لبنان، وتزيل التصادمية في ما بين اللبنانيين، وترسي قواعد العمل الوطني والسياسي على أسس المواطنية فحسب. إلا أن المسلمين جابهوا هذه المحاولات جميعا ً بحزم وبقوة واعتبروها حربا ً ضروسا ً على الإسلام والمسلمين .

فالمفتي الشيخ حسن خالد أعلن أن " العلمنة تتنافى مع الإسلام ولذلك نحن نرفضها بشدة " (26) . وقال : " نحن المسلمين في عقيدتنا نحارب العلمانية كما نحارب الداعين لها إلى أي جهة انتموا " (27).

وهب " مجلس العلماء في لبنان " يواجه المساعي للعلمنة ويتهم زعماء الدعوة إلى العلمانية " بتذويب الشخصية الإسلامية في لبنان " و " التمهيد لافساد الأصالة في الأجيال الإسلامية في العالم العربي المجاور لا في لبنان فحسب" (28).

وكل مؤتمر المنظمات الإسلامية الذي عقد في مكة من 6 إلى 11 نيسان 1974 أوصى برفض فكرة العلمانية (29).

وجل ما حصلت عليه نقابة المحامين في بيروت في العام 1951 إثر إضراب استمر بضعة شهور صدور قانون للإرث لغير المحمديين.

إن المحاولات العلمانية في لبنان والعالم الإسلامي لم تتقلص فحسب، بل ازدادت فيها الحركات الأصولية على النحو الذي نشهد ونلمس بما فيها تركيا " العلمانية ".

ولا نستغربن ذلك . فالإسلام نظام كامل شامل تندرج شؤون الفرد والجماعة، وأمور الدنيا والآخرة، ومسائل الجسد والروح، والنظام العام والحياة الشخصية، وقضايا الأخلاق والقيم، واحكام كل مخلوق وعلاقته بالنظام الكوني. هو سنة الله . " ولن تجد لسنة الله تبديلا. ولن تجد لسنة الله تحويلا ". (فاطر 43).  

سادسا ً – الدعوة الفدرالية :  

ان آخر ما قدمه المسيحيون في لبنان هو الدعوة إلى الفدرالية .

في يقينهم أن الفدرالية تزيل فتائل التصادم، وتعيد الأمن والهدوء والسلام إلى ربوع الوطن، وتحقق المساواة التامة بين اللبنانيين . وفضلا ً عن ذلك فهي تسمح للمسلمين تطبيق شريعتهم على النحو الممكن في داخل مجتمعاتهم، وللمسيحيين إبعاد شبح الذمية عنهم . فيكون لكل من المجموعتين اللبنانيتين وجود ذاتي حر وغير مهدد من ضمن الدولة اللبنانية الواحدة .

واتجاه المسيحيين نحو الفدرالية يعني اقتناعهم أنه يستحيل الوصول إلى العدالة والمساواة المنشودين عن طريق الإنصهار بالأكثرية. يستحيل الشعور ب" الأنا " الحقيقية الصادقة مع الذات والحفاظ على هذه الذات من خلال الإصرار على هذا الإنصهار. ولربما تمنى هؤلاء المسيحيون جعل الفدرالية في لبنان أنموذجا ً يحتذى في غير مكان من العالم الإسلامي، فيعالج هناك غير انقسام ومعضلة .  

خلفية الإنتماء إلى تيار الأكثرية

إن من يبحث بعمق في السبب الجوهري لانتماء مسيحيين من غير الإنتفاعيين والمصلحيين والوصوليين إلى " تيار الأكثرية " وتبنيهم قضاياها والذهاب إلى حد الإنصهار السياسي فيها، رغم الصراحة في إسلامية الأهداف المطروحة والمعلنة والمنشودة، يرى أن هؤلاء المسيحيين، نتيجة لعقدة الشعور الاقلوي وفي حال أنهم مخلصون مع أنفسهم ومجتمعهم، " مقتنعون * " بأن من شأن هذا النهج تأمين عيش هادىء للمسيحيين والإبقاء على وجودهم في هذه البلاد وإبعاد أسباب الإضطهاد عنهم، او أقله، تفادي " فشة الخلق " بهم عندما تتأزم الأوضاع وتتشنج الخواطر . فضلا ً عن وهم صار راسخا ً في وجدان بعضهم وهو أنهم بهذا الأسلوب يزيحون كابوس الذمية عن صدور المسيحيين ويؤمنون لهم حضورا ً سياسيا ً حرا ً ومساويا ً للآخرين .

* يميل تحليل لحالات تقرب من هذه الحالة او تحاكيها إلى اعطائها تفسيرا ً طبيا ً يسمى Syndrome de Stockholm وهو أن  ضغط الخوف من التعذيب او الاضطهاد او الألم او الفشل في تحقيق آمال وأماني أساسية معينة، الخ ... قد يؤدي بالخائف، وعلى نحو لا شعوري، إلى تكنه مع الخائف منه، فالى تبني توجهاته ومقولاته ومواقفه. ويتصرف على نحو يبدو فيه، ظاهريا ً، وكأنه مقتنع في قرارة وجدانه بهذه التوجهات والمقولات والمواقف. بهذه الخلفية نفهم المصري مكرم عبيد باشا حين يقول : اننى مسيحي دينا ً ومسلم وطنا ً ". وعندما يردد :" اللهم اجعلنا نحن المسيحيين لك وللوطن أنصارا ً ". و" اللهم اجعلنا نحن النصارى لك وللوطن مسلمين " (30) .

 كذلك نفهم قول شكري غالي :" إن الإسلام وطن حضاري ننتمي اليه نحن المسيحيين الشرقيين، فهو يخصنا كما يخص أهله الذين بكونه عقيدة دينية لهم ". وقوله : إنني أنا المسيحي المصري عربي في الصميم، وان مسيحيتي العربية تمنحني حق الإنتماء إلى وطن الإسلام الثقافي والحضاري " (30) ". علما ً بأن خضوع أقباط مصر خضوعا تاما ً للمشيئة السياسية الإسلامية، وتأييدهم تأييدا ً مطلقا ً المسلمين في وجه الغرب، ووقوفهم في الجبهة الأمامية في وجه أي احتلال غربي لمصر، لم تمنع، حتى اليوم، إضطهادهم واذلالهم وحرق كنائسهم .

ولربما كانت الخلفية إياها، ايضا ً، وراء، إعلان المطران غريغوار حداد الشهادتين ( " لا إله الا الله ومحمد رسول الله ") إثر لقاء في ليبيا من أجل حوار إسلامي – مسيحي ( 1 – 6 شباط 1976 )، ومن دون أن يعتبر ذلك دخولا ًمنه في الإسلام، رغم معرفته القاطعة أن إعلان أمرىء ما الشهادتين يعني إشهار إسلامه .

وكذلك قول المطران جورج خضر :" لسنا كلنا مسلمين ولكننا كلنا إسلاميون. بمعنى أن هناك حضارة واضحة جدا ً هي الحضارة العربية – الإسلامية ونحن كلنا ننتمي اليها " (31).

ويذكر الدكتور عبدالله سعادة في مذكراته (32)، وهو رئيس سابق للحزب السوري القومي الاجتماعي، أن البطريرك بولس المعوشي وافقه أن هذا الحزب" مساء فهمه كثيرا ً في الأوساط المسيحية السياسية والروحية "، وأن البطريرك، في أحد اللقاءات وبحضور الدكتور سعادة، " ندد بشكل حاد وجريء بسياسة الكتائب اللبنانية التي تعرض لبنان والمسيحيين إلى الخطر الكبير ثم وضع يده على كتفي قائلا ً بصوت عال :" أما سياسة هذا الإبن البار وسياسة حزبه. فإنها تصب كلها في خدمة لبنان بكل فئاته والمسيحيين منهم بصورة خاصة".

ولكن عندما عصفت " الحروب " في لبنان منذ العام 1975 بكل مآسيها، وأخذت الأصولية الإسلامية تقوى وتنتشر في غير بلد وفي لبنان وعى العديد من هؤلاء المسيحيين (وقد سموا أنفسهم " مسيحيين وطنيين ") الواقع على حقيقته ووضعوا تجربتهم في ميزان التقويم ومحكه، فقرروا التوقف عن الإنسياق في التيار السياسي " للأكثرية " والخروج من الإنصهار السياسي فيها .

اذا ً، مصلحة المسيحيين وصالحهم، بقاؤهم في هذه المنطقة من العالم، حريتهم، وما سواها من أسباب، كانت وراء هذه المواقف المسيحية المختلفة والمتناقضة.

ولكن كل التجارب دلت على أن أيا ً منها ( باستثناء الفدرالية التي لم تجرب بعد ) لم ينجح . وليس في الأفق إشارة ولو بشكل ومضة تدل على أنها ستنجح .  

غير أن النجاح ممكن إذا سار في طريق أخرى. طريق تشقه أفكار عشر، هي التالية .  

الفكرة الاولى  

التحرر من عقدة الشعور الاقلوي  

من ينطلق من مركب نقص يفشل في تحقيق الأمور العظيمة. ومن يدخل في عمق وجدانه اقتناعا ً بأنه خاسر سلفا ً في مساعيه يسر في عكس ما تقتضيه مصالحه .

فإذا تفشت فينا عقدة الشعور الاقلوي ورضخنا لها وتجذرت في أعماقنا وانسقنا لها، حكمنا على أنفسنا بالذوبان وفقدان الذات وحكم علينا التاريخ .

عقدة الشعور الاقلوي سببت عند بعض المسيحيين حسا ً بالضعف قاتلا ً. فولد عندهم ميلا ً إلى الإتكال على الغير للدفاع عنهم. او إلى مسايرة رأي " الأكثرية " وتبنى توجهاتها. ولولا نخبة نزلت إلى ميدان المقاومة في العام 1958 ومنذ العام 1975 لما تكوكب حولها قوى كبيرة برهنت على قدرة رائعة وفعالية رفيعة، فصمدت وانتصرت في غير صراع ومعركة. وبفضلها لم يسقط المسيحيون في الذمية ولا في الرحيل عن الوطن ولا في الأسلمة .

ان مبدأ الاتكال على الغير للدفاع عن الوجود وصيانة الحرية والحفاظ على الكرامة وتشكيل مظلة واقية فوق الوطن، لهو الخطأ بحد ذاته والخطيئة العظيمة .

هذه الروح التواكلية لا يجوز البتة أن يكون لها عندنا موطىء قدم. ولا وجود . ولا مجرد همس بها. الإتكال على الذات أولا ً هو ألف باء الصمود والبقاء والنجاح في تحقيق الأهداف. الإتكال على الذات يفجر فينا قدرات هائلة، بما فيها القوة الرادعة والدفاعية .

هذا لا يعني الإستغناء عن المساعدة من الخارج والتحالف معه، إذا لزم الأمر. وهو لا ينفي نوعا ً من الإرتباط الدولي الشرعي الخاص والذي له فعله في موأزرتنا عند الحاجة. إنما لايمكن انتظار مشاركة من أحد الا إذا، بادىء ذي بدء، أخذنا أمورنا بأيدينا وقبلنا بالتضحيات المتوجبة علينا. لن يقبل أحد أن يموت عنا. ولن يندفع أحد اندفاعنا في حماية مصالحنا .

اذا ً، إن رفض عقدة الشعور الاقلوي ونبذها والتخلص منها وإقامة حواجز يقظة وصلابة بديلا ً منها، منطلق لا بد منه لكسر القيود المكبلة بعضنا، ولتحرير إرادتنا وتوجيه قدراتنا في الإتجاه الصحيح .

ولتحقيق ذلك لا يفيد الحرد ولا تكفي المواقف العنفوانية الشعرية، ولا تؤدي السلبية الإنفعالية الديماغوجية إلى اي فائدة .

إن التحرر من عقدة الشعور الاقلوي يتم بتربية صحيحة على مستويات عديدة، قائمة على مبدإ الحق بالوجود الحر لجميع فئات الناس، أيا ً كان عددهم. تربية تتولاها الكنيسة والمدرسة والبيت والحزب والنادي والإعلام البناء ... تربية تخلق ثقة بالذات وإرادة في الحفاظ على الذات .

إن الانسان، فردا ً او جماعة، المقتنع في قرارة وجدانه بأن حقه في الوجود الحر المتساوي حق غير قابل للنقض او حتى مجرد الشك فيه، هو إنسان يمسك بيده أمضى سلاح يواجه به كل مهدم ومتوعد ومغتصب .

الفكرة الثانية

فهم الحقيقة المجتمعية اللبنانية  

الشعور الاقلوي، بحد ذاته، برهان عفوي على أن صاحبه " مختلف " عن الآخر. مغاير. وهذا يعني أنه ذو "خصوصية" .

هذه " الخصوصية " هي " الهوية " .

وليس من هوية أفضل من أخرى. او أقل منها شأنا. لا تقوم الهوية لا سلبا ً ولا ايجابا ً. وهي ليست، حتما ً، ميزات او انفرادا ً في الطبع او القدرات العقلية او النفسية او اللغة او السلالة او مستوى الطموح ... وليس لها سوى تعريف ذاتي. إنها " ما " يعطي الجماعة طابعا ً خاصا ً بها. إنها " ما " يجعل الجماعة متميزة عن سواها. ويرى الانسان هويته الحقيقية في حس الإنتماء، في الشعور العفوي الداخلي بالإرتباط العضوي بالجماعة (33) .

لذلك فان " الهوية "، هوية جماعة ما، تقبع في الذات العميقة، وتظهر بنوع خاص، في ظروف معينة وفي ممارسات ومواقف معينة، أكثر مما تتمظهر في عدد من العناصر التكوينية المحددة والمعممة على جميع الناس (33) .

إن حس الإنتماء المجتمعى والشعور العفوي الداخلي به والإرتباط بمن يشارك في هذا الشعور، هو، في الشرق خصوصا ً، حس دينى، شعور عفوي ديني في أساسه وجوهره .

هذا الحس الديني المجتمعي مسؤولة عنه الأكثرية. اي المسلمون. ذلك أن الاندماج المجتمعي، او ما يسمى الإنصهار المجتمعي، بين سكان هذه المنطقة من العالم، حال ويحول دونه وبعمق الإسلام في ما يفترضه من مجتمعية إسلامية مدنية لا يدخلها غير المسلمين . المجتمع الإسلامي المدني غير نفاذي non-permιable . غير المسلم يبقى خارجه – بكل ما في كلمة " خارج " من معنى وعمق – الا اذا أسلم .

فإذا كان للمسيحيين في الشرق شعور ديني – مجتمعى ( اي شعور غير محصور بالناحية الإيمانية – الروحانية البحت)، تبلور ويتبلور على نحو تصاعدي، فسببه الأكثرية. فهي التي دفعتهم دوما ً إلى هذا الحس وإلى إبقائه مستيقظا ً، وإلى إيقاظه اذا ما همد يوما ً او خمد، او أراد أن يتخطى ذاته، على ما رأينا عند المسيحيين القوميين العرب والسوريين القوميين والماركسيين والعلمانيين ... وقد عزز تكوكب المسيحيين حول " الذات " ظروف الحذر والقلق والشك، وهي كثيرة وكثيرة في الماضي والحاضر. ويعمق هذا التكوكب أكثر فأكثر انتشار الاصولية الإسلامية و " توقع المزيد من التطرف الاصولي (34) .

ولبنان، لأسباب تاريخية وسياسية، كان أفضل مكان اتيح فيه للمسيحيين أن يعبروا عن هويتهم علانية .

ولا نقعن هنا في جدال قومي نظري عقيم حول وحدة او لا وحدة " الشعب اللبناني ". قد يكون الشعب اللبناني واحدا ً.

وقد لا يكون كذلك. الجواب مرتبط بالمنطلق الفكري ومعيار التقييم. بالقول بالفكرة القومية، مثلا ً. وفي كل الأحوال فإن هناك أمرا ً لا أظن أن اثنين يمكنهما أن يختلفا حوله، أأعجبنا ذلك ام لم يعجبنا، وهو أن في لبنان شعورين مختلفين ووعيين مختلفين وردتي فعل مختلفتين ونظرتين مختلفتين إلى الدولة وسيادتها، ورؤيين مختلفتين. هذه كلها تؤكد على " الثنائية المجتمعية " في بلدنا. تماما ً مثلما تدل ثمار الشجرة على نوعها.

 اللبنانيون مجموعتان. مجموعة مقتنعة في قرارة وجدانها بأنها إسلامية عربية، فهويتها، إذا ً، إسلامية عربية. ومجموعة مقتنعة في قرارة وجدانها بأنها مسيحية لبنانية، فهويتها، إذا ً، مسيحية لبنانية. القاسم المشترك بينهما هو الجنسية اللبنانية، في معناها القانوني، القائمة على إرادة العيش المشترك في دولة واحدة .

 إن السياسيين والباحثين، جميعا ً تقريبا ً، يقرون بهذه الثنائية، صراحة او ضمنا ً. فالذي يتكلم على "مسيحيين" او "مسلمين"في لبنان، ويسعى إلى فهم كل منهم إنطلاقا ً من تحليل مختلف، وينظر إلى كل منهم نظرة مغايرة مختلفة، وخصوصا ً اذا طلب من كل منهم مواقف خاصة وتغيير اقتناعات معينة خاصة، فإنما يقر بأنهم لا يشكلون مجتمعا ً واحدا ً، بل مجتمعين، وإن هو أنكر ذلك او إدعى عكسه.

 هذه الحقيقة صارت من المسلمات. وبقدر ما تتسع تموجاتها في النفوس وترسخ، نقرب من التشخيص الصحيح لواقعنا.

أن نقول بهوية خاصة لكل من المسيحيين والمسلمين فليس في هذا اي عار او تعصب او فئوية او إنكماشية او إنعزالية او إستعلائية ... هذا القول يعبر عما هو حاصل. إنه معاينة للواقع.

 إن الرافضين لمثل هذا القول سيسرعون إلى تشنيعه وتشنيع القائل به بنعوت الطائفية والتطيف ذما ً، مع سلسلة الإتهامات، على عادة مطلقيها.

 وبالمناسبة، فإننا في حاجة ماسة إلى إعادة نظر جذرية في مفهوم "الطائفية"، وذلك بدراستها علميا ً. إن من الضرورة الملحة القضاء نهائيا ً على هذا التقليد القاضي باطلاق الشتيمة عشوائيا ً على كل ذي صلة ب" الطائفية ".

 لقد اختلط على الكثيرين ما تعنيه "الطائفية". لذلك فان وضع الأمر في نصابه أصبح من الاوليات غير القابلة للتأجيل.

 إكتسبت "الطائفية" في مسار استعمالها أربعة مدلولات إثنان لا عيب فيهما. وإثنان كلهما عيب.

 المدلول الأول مجتمعي- إجتماعي. ويعني الإنتماء إلى طائفة دينية. وليس في انتماء كل منا إلى طائفة دينية سبب للخجل. بل في هذا الإنتماء كمال الإنسان الفرد.

 والمدلول الثاني سياسي- إداري . ويعني توزيع السلطات والمسؤوليات الدولتية بين الطوائف توزيعا ً عادلا ً. ولا ينبغي أن يكون ذلك، ايضا ً، سببا ً للخجل. لا بل أرى فيه ضرورة أساسية لإقامة العدل والشعور بالمواطنية الكاملة .

 والمدلول الثالث عدواني. ويعني إما عصبية فئوية رفضية تجاه سائر الطوائف، وإما إستعلائية على سائر الطوائف، وإما استغلالية للواقع الطائفي – المجتمعي . هذا المدلول تجب محاربته. وهو مرض ينبغي الشفاء منه.

 أما المدلول الرابع فولائي. ويعني الاقتصار في الولاء الوطني على الولاء للطائفة فحسب، وتقييم الشؤون العامة من زاوية مصلحة الطائفة على نحو حصري. إن من الضرورة محاربة هذا المدلول ومجابهته بمنطق الولاء الصحيح. والولاء الصحيح هو ذلك الموٌفق على نحو تآلفي بين الولاء للدولة اللبنانية وولاء كل منا للمجموعة الطوائفية التي ينتمي اليها. وهذا النوع من الولاء يقتضي تربية ورقيا ً في التفكير والديموقراطية، لا تقوقعا ً غريزيا ً قبليا ً على الذات الجماعية .

 ولا بد من الإشارة إلى خطر مباشر على الهوية المسيحية أطل منذ فترة قريبة. إنه انضمام لبنان رسميا ً بتاريخ 24 تشرين الثاني 1990 إلى "ميثاق الوحدة الثقافية العربية" و"دستور المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الأكسو)"(35). لقد تم هذا الانضمام في وقت كان المجتمع المسيحي فيه منفسخا ً على ذاته في حرب أهلية ضروس وميزان قوى في غير مصلحته، وبعد أن كان المسيحيون قد حالوا دون هذا الانضمام سنوات طويلة .

 إن هذين الميثاق والدستور يتكلمان صراحة على " الوحدة الطبيعية بين إبناء الأمة العربية ". وعلى الإيمان" بأن وحدة الفكر والثقافة هي الدعامة الأساسية التي تقوم عليها الوحدة العربية". وهما يدعوان صراحة ايضا ً "إلى القومية العربية" وإلى إيجاد " الوحدة الثقافية العربية ".

 ففضلا ً عما ورد أعلاه من تناقض مطلق ونظرة المسيحيين إلى العروبة والوحدة العربية واعتبارهم جزاء من الأمة العربية، وتناقض صريح ونظرتهم إلى الدولة اللبنانية السيدة، المستقلة، فإن فيه طعنا ً في صميم الحرية الفكرية وحرية التعليم وحرية الثقافة، وتوجها ً لا لبس فيه يبغي أسلمة المجتمع المسيحي.

 إن توقيع لبنان على هذين الميثاق والدستور سيلزمه بأسس المناهج الموحدة (المادة الرابعة في الميثاق)، وبتبني "الكتاب الأم الذي يعد المرجع الرئيسي لما يؤلف من كتب مدرسية في تاريخ البلاد العربية وحضارتها وجغرافيتها ولغتها وأدبها ومقومات المجتمع العربي" ( المادة الثانية عشرة)، وبتوحيد ما يمكن توحيده مع سائر البلدان العربية من اتجاهات تشريعية وتربوية وثقافية (المادة السابعة والعشرون).

 إن " الوحدة الفكرية " و " الوحدة الثقافية " اللتين تدعونا اليها الأليكسو لا تتركان مجالا ً للشك في أن هدفهما النهائي تذويب تدريجي للهوية المسيحية بالهوية العربية الإسلامية، فأسلمة المجتمع المسيحي فكرا ً وثقافة ومفاهيم، بانتظار الأسلمة الدينية .  

 الفكرة الثالثة  

ربط التصور الوطني المستقبلي بالحقيقة المجتمعية اللبنانية  

مثلما يستحيل على الإنسان أن يقفز فوق ظله، كذلك من غير الممكن ان يقدم تصور وطني مستقبلي لشعب ما يتناقض وحقيقته وما يحركه في أعماقه من دوافع وهواجس وتطلعات واعتقادات واقتناعات ... ولا بد من أخذ كل هذا بالإعتبار ليرسو المجتمع على قواعد تؤمن له الإستقرار والإستمرار.

 ولما كانت الحقيقة المجتمعية اللبنانية ثنائية فإن الإبقاء على اي شكل تذويبي إنصهاري للدولة اللبنانية معناه الإبقاء على بذرة التصادم وعلى خطر الوقوع دوما ً في الفتنة الدموية. ذلك لإن هذا الشكل يسلط، حتما ً وحكما ً، فئة على فئة ويقيم نظام القهر.

 في هذا الصدد موقف للصحافي جهاد الزين يصيب فيه كبد الحقيقة إذ يقول : (36) " أما آن الاوان بعد كل الظروف والتجارب التي مر فيها البلد والتي دفعت تجربة الوحدة والانقسام إلى أبعد درجاتها أن يعاد النظر بمفهوم الوحدة اللبنانية حيث يستبعد مفهوم الوحدة الإنصهارية لصالح مفهوم الوحدة التعددية التي تعكس فعلا ً الواقع الحقيقي للبنان ولحركة طوائفه غير القابلة بالإنصهار ببعضها البعض، بل التي لا يمكن لها أن تنصهر ".

 ويضيف: " لماذا، اذن، هاجس الوحدة الانصهارية غير الممكن تاريخيا ً وثقافيا ً فيما الإمكان ان يتحول لبنان إلى كيان متماسك في إطار تعدديته"؟ ثم يخلص إلى القول : " ربما كانت التعددية هي الشكل الوحيد المتاح لاستعادة وحدة البلد وبنائها على أساس متين".

 في يقيني، ونتيجة ذلك، فان الاتحادية" تشكل الحل المنطقي والممكن الذي تبلور عبر التجربة التاريخية والإجتماعية والسياسية للبنان. فالمراجعة المبسطة لتاريخ لبنان الحديث تعيد إلى أذهاننا ثلاثة نماذج لتنظيم السلطة. وهي غنية بالدروس والخلاصات .

 " التجربة الأولى هي تجربة الإمارة اللبنانية التي بدأت على قاعدة تمثيل الطوائف ومشاركتها في السلطة مع احترام خصوصيات الطوائف الذاتية. وقد تطورت السلطة مع الأمير بشير الشهابي الثاني إلى مفهوم مركزي للدولة يتخطى الطوائف ويخترق " حرماتها " الداخلية، لتصل مع سقوط بشير الثاني إلى نتائج كوارثية فجرت التعايش الطائفي دمويا ً وفجرت وحدة السلطة ووحدة الجبل الجغرافية.

 " والتجربة الثانية امتدت من المتصرفية إلى استقلال لبنان الكبير في العام 1943. وتميزت بالسيطرة المسيحية على السلطة بضمانة القوى الدولية .

 " ففي مرحلة المتصرفية كان الجبل وحدة سياسية وجغرافية، ولكن على أساس السيطرة المسيحية على السلطة وليس على أساس المشاركة الثنائية، على ما كان الوضع في زمن الامارة. الا أن هذه الصيغة، على الرغم من الإستقرار الذي أوجدته، لم تحسم المشكلة الدرزية – المسيحية .

 " وفي مرحلة لبنان الكبير، توسعت الحدود الجغرافية ودخلت جماعات جديدة إلى الكيان. ولكن المسيحيين ظلوا يسيطرون على السلطة تحت رقابة الدولة الفرنسية ورعايتها وحمايتها، مما سيولد المشكلة المسيحية – الإسلامية .

 " هذه التجربة، وإن تميزت بالهدوء والاستقرار، فانها حملت في طياتها بذور الإنفجارات التي نعانني منها. فارتكازها، على خلل في ميزان القوى جعل منها صيغة هشة. وحملت في أحشائها، في خلال تطورها، المشكلتين الداخليتين اللتين هددتاها باستمرار: المشكلة الدرزية – المسيحية، والمشكلة الإسلامية – المسيحية .

 

" أما التجربة الثالثة، وهي تجربة صيغة 1943، فقد أوصلت لبنان إلى انفجار التعايش المسيحي – الإسلامي والمسيحي – الدرزي. وقد تفاقمت المشكلتان الداخليتان عبر " حروب التهجير والتطهير " التي عرفتها كل المناطق اللبنانية بهدف استعادة " النقاوة " الطائفية لهذه المناطق.

" فتفتتت الأرض اللبنانية إلى مناطق مغلقة. وانفجرت السلطة المركزية، وقامت سلطات طائفية على أشلائها .

" هذه التجارب الثلاث تحتوي على حلين تم اعتمادهما. وقد أثبتا عدم ملائمتهما للواقع.

" الحل الاول هو هيمنة طائفة معينة على مقدرات السلطة. وهو، بارتكازه على عامل القوة والإخضاع، يحمل الطابع التفجيري.

" والحل الثاني هو قيام الدولة المركزية التي أوصلت إلى الإنفجارات المريعة لأنها كانت دولة لجماعة معينة لا لكل الجماعات. فالدروز نظروا إلى دولة بشير الثاني المركزية على أنها الدولة المارونية القامعة للدروز. والمسلمون رأوا في أكثر الأحيان في صيغة 1943 دولة مسيحية طاغية على المسلمين .

" إذا، الحلان السابقان أبقيا ً المشكلتين الداخليتين قائمتين لأنهما تجاهلتا جوهر هاتين المشكلتين وهو: إصرار الأفرقاء على الإبقاء على خصوصياتهم إيديولوجيا ً وسياسيا ً ومؤسسيا ً وسلطويا ً وعلى إبرازها. ولعل النقص الأساسي في الحلين السابقين يكمن في " تغفيل " هذه الخصوصيات وراء ستار إيديولوجي شكلي يرمي إلى بناء السلطة المركزية على قاعدة انصهار مجتمعي وهمي .

" إن لبنان، اليوم، أمام غير احتمال لحل مشكلته .

فإما التقسيم، اي استقلال كل مجموعة في نظام سياسي وكيان جغرافي.

وإما العودة إلى روحية صيغة 1943. اي العودة بالمشكلة إلى نقطة بدايتها لتعود وتنفجر في النهاية .

وإما قيام " نظام إتحادي ". وهو نظام لم يختبره اللبنانيون جديا ً، على الرغم من أن مؤشرات عديدة في الواقع المجتمعي تؤدي اليه.

" أمام هذه الاحتمالات وتكرار المأساة فتكرار سقوط الحلول، تبدو " الإتحادية " " الأفضل الممكن " بين خيارات التقسيم والهيمنة والمركزية .

" إن الإتحادية، وإن لا تحسم نهائيا ً مشكلة السلطة والخلافات بين الطوائف، إلا أنها تستجيب لحاجة ملحة في المشكلات القائمة، وهي التسليم الرسمي والمؤسسي بوجود كل من المجموعتين اللبنايتين وخصوصياتها، وحريتها في تنظيم هذا الوجود وتطويره بمعزل عن التدخلات الخارجية. وهذه الاستجابة تساهم على نحو إيجابي في استرخاء العلائق بين الطوائف لانها تسحب من شبكة هذه العلائق عامل احتكاك أساسي ناتج من إحتمال التداخل والتدخل في الشؤون الذاتية لبعضها بعضا ً. وهذه الإستجابة تزيح، ايضا ً، عن الوجدان الجماعي لكل مجموعة الخطر – الفعلي او المحتمل، الحقيقي او الوهمي – الذي تشعر أنه محدق بهويتها وشخصيتها .

" وتشكل الإتحادية، على الصعيد المؤسسي، إستجابة منطقية للواقع التاريخي المجتمعي الإيديولوجي للطوائف، منهية بذلك الانفصال المستحكم في لبنان بين المجتمع والدولة .

" وتشكل الإتحادية الحل البديل والأكثر استقرارا ً لإشكالية علائق الطوائف بالدولة، والتي ترتكز إلى إشكالية إيديولوجية ذات طابع نخبوي تفوقي عند الطوائف، وتوصل إلى حالات صدامية متكررة، وإلى اشكالية الهيمنة والإستيعاب التي تؤدي إلى الشعور بالحاجة إلى الدفاع عن الذات، مما جعل الدولة مسرحا ً لصراع مستمر .

" وفي هذا المجال، تخفف الإتحادية من الإحتكاك الصدامي، وتحيد الدولة إلى حد بعيد عبر الغاء عدد كبير من عوامل الصراع والتفجير عليها وفيها .

 " وتشكل الإتحادية التصحيح المنطقي لدولة 1943، إنطلاقا ً من ثوابت الواقع المجتمعي. وبمعنى آخر، تزيل الإتحادية التناقض ما بين ميثاق 1943التآلفي والنظام الدستوري – السياسي لدولة 1943. وذلك عبر إعادة المؤسسات الإدارية والسياسية إلى خط الواقع المجتمعي.

" في هذا التصحيح توفير لتجارب مأساوية إضافية، وعودة عن أخطاء منهجية فادحة. ولعل تجربة الواقع هي الحجة الأقوى والمبرر الأهم اللذان يمكن الإرتكاز اليهما عند البحث في اي نظام سياسي جديد .

" وهكذا، فإن مشكلة النظام السياسي الجديد ليست مشكلة إعادة صياغة تقنية دستورية على طريقة اتفاق الطائف او ما شابهه. إنها مشكلة تتعلق بالوجود الذاتي لكل من المسيحيين والمسلمين، وبرغبة كل منهما وارادته في إقامة وجود مشترك مع الآخرين وتطويره. من هنا، فإن النظام السياسي الناجح هو الذي يقوم على إرادة جامعة للمواطنين وعلى مؤسسات تنظيم هذا الوجود دون أن تنفي الوجود الذاتي للطوائف " ( 37 ) .

الفكرة الرابعة  

التوقف عن استيراد الحلول الجاهزة  

درج المسيحيون عندنا على النظر إلى الأمور المجتمعية والوطنية والسياسية بمقاييس ومعايير لا تأتلف والشرق، وذلك بتأثير من المؤسسات التعليمية التي تخرجوا منها وسلم القيم الذي اعتمدوه .

وعلى الرغم من جميع الأخطاء على هذا الصعيد والتي أثارت من سوء الفهم والتقدير والتحليل ما أثارت، فلا يزال هذا المنحى مسيطرا ً على عقول بعضنا ونفوسهم .

إن الانتلجنسيا المسيحية تشبعت من بعض الحلول الأوروبية لبعض المشاكل الأوروبية، واتخذتها على أنها توجهات مطلقة. فلم تع ِ أن ما صلح في بعض اوروبا لم يصلح في بعضها الآخر.

فكيف، بالتالي، يصلح، حتما ً وحكما ً، في هذه المنطقة من العالم والتي لها خصائصها وفرائدها؟

فقد ميزت شعوب في القارة الأوروبية بين الزمني والروحي، وعمل المؤسسات الزمنية والمؤسسات الروحية، فنبتت العلمانية من أرضها ومن تراثها .

وأخذت الإنتلجنسيا المسيحية عن العالم الغربي مفاهيمه للدولة مع كل مقتضياتها ونتائجها حتى الغلو الإفرنسي في الدولة المركزية المتشددة في مركزيتها. وكذلك مبدأ الولاء المطلق للدولة القائم على المواطنية فحسب،  والذي لا يعلو عليه او يساويه ولاء آخر.

وأخذت عنه " الفكرة القومية " مع تعاريف لها المانية وايطالية، فتاهت، وتهنا معها، زمنا ًطويلا ً ولم نخرج من التيه بعد .

وأخذت عنه، ايضا ً، أشكاله التطبيقية لتحقيق الديموقراطية وأرادت فرضها على الجميع من دون أن تسعى لتكييفها وأوضاع الشرق. الخ ............

إن العمل المجتمعي – الوطني – السياسي الذي لا يحسن تشخيص الواقع، ولا يأخذ الواقع القائم بعين الاعتبار، والذي يتعامل مع المجهول لا مع المعلوم، إنما هو عمل فاشل وذو عواقب على أصحابه.

إن من أخطر ما يصاب به العامل في الحقل العام أن ينطلق من أوهام. وأن يحلل انطلاقا ً من أوهام. وأن يتوهم أن ما حل ذهنيا ً قد صار واقعا ً ملموسا ً .

الفكرة الخامسة  

توضيح مفهوم التعايش  

إنتشر بين المسيحيين، إكليروسا ً وعلمانيين، مفهوم للتعايش يكاد يخلق عندهم عقدة.

 فكيفما تحركوا خافوا من مس التعايش. وكيفما تصرفوا أمسكوا قلوبهم بأيديهم لئلا يتهموا بنقض التعايش. فبات هم التعايش يوأكلهم. وتوسله بعض المسيحيين للمزايدة والتجارة فأثاروا عند بعضنا الشعور بالذنب. فتصورت الضحية أنها صارت جلادا ً. واضطربت نفس المسيحي – وهو بطبعه وطبيعته منفتح ومتعايش ومتفاعل – إذا ما أراد أن يحصن نفسه ومجتمعه بغية الحفاظ على هويته وتعزيزها وتأكيد ثقافته وتكثيفها وتعميقها .

لقد ظن الناس أن معنى التعايش محصور بالتساكن والتخالط وتداخل الناس في ما بين بعضهم بعضا ً. فإذا انتفت انتفى. واذا حصلت وجد. حتى وان كانت محصلته تصادما ً وتذابحا ً ومآسي دورية .

التعايش بهذا المعنى يتناقض وما يقصد منه حقيقة. إنه نمط يحصره التعايش في إطار بدائي، هامد، بليد. إنه التواجد بحكم الأمر الواقع. والمكانية الجغرافية ليست المعيار للتعايش. فإذا كانت بقعة خالية من " آخرين "، اي من مغايرين لسكانها، فهل يكون سكانها غير " تعايشيين "، حتى وان هم تفاعلوا، بوسيلة او بأخرى، مع سواهم في مكان جغرافي آخر؟ واذا كانت بقعة ما تعج عجا ً بالمتغايرين، فهل يكون سكانها حتما ً تعايشيين؟ على هذا تكون نيويورك ومرسيليا وهونغ كونغ، مثلا ً، أكثر بلاد الله تعايشية.

 وكم وكم من عائلات متجاورة أو متداخلة وأحياء متجاورة أو متداخلة ومدن متجاورة أو متداخلة، فيها التباغض والتقاتل على أشده، وليس بينها ذرة من التعايش؟

فهل عرب إسرائيل ويهودها متعايشون؟

وهل سكان جنوب السودان وشماله متعايشون؟

وهل أقباط مصر ومسلموها متعايشون؟

وهل يكون الذين يهبون إلى مساعدة المظلومين والمحتاجين في أربع زوايا العالم غير تعايشيين لانهم متباعدون جغرافيا ً ؟

طبعا ً لا .

وربما لهذا السبب اقترح بعضهم، وبكل مسؤولية، إستعمال لفظة " تلاق ٍ" بدلا ً من تعايش، لما تحمل الاولى من معان وأبعاد إنسانية. والتلاقي لا يحتم على نحو قاطع التخالط أو التساكن أو التجاور، وان كانت هذه كلها تسهله.

لا نرمي إلى أن نستبدل بلفظة لفظة أخرى، قد يكون الامر ذا أهمية في غير مجال. أما هنا فالاستبدال لا أهمية له. الأهمية تكمن في توضيح معنى التعايش وفي وضعه في نطاقه الصحيح وفي مقتضياته الحقيقية.

التعايش يعني أن لا تتقوقع على ذاتك أو أن تستعلي على الآخرين.

إنه يعني الدخول مع الآخرين في حوار وتفهم وتفاهم .

إنه يعني التفاعل مع الآخرين والتعامل معهم على قدم المساواة.

إنه يعني أن تحقق ذاتك مع الآخرين وليس ضدهم أو على حسابهم أو ضد ذاتك أو على حسابها.

إنه يعني أن تمد يد المعونة، مادية كانت أم ادبية، لمن هو في حاجة اليها بصرف النظر عن لونه وأصله ودينه ولغته ومعتقده.

إنه يعني الإقرار للآخرين بالحقوق الطبيعية والحقوق كافة التي أقرها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وهو يقترض الإقتناع والحرية والإنطلاق من الشعور بالإطمئنان.

المجتمع المسيحي المدني نفاذي permιable  بطبيعته. ولا يمكنه الا أن يكون تعايشيا ً.

لذا، فإن مسيحي لبنان مصرون على التعايش بالمعاني الواردة والمنوه بها كلها. ويريدون تنظيم هذا التعايش على نحو لا يفسح في المجال لأي هيمنة أو ظلم أو توتر أو صدام أو تصارع دموي على السلطة.  

 الفكرة السادسة  

مجابهة الذمية  

في الأسلام أن النصارى واليهود وسائر الذين يعتبرهم القرآن أهل كتاب هم من " أهل الذمة ".

والذمية نظام يقوم في دار الإسلام، اي في المكان الذي أصبح فيه الحكم للمسلمين. وهو منحة وتسامح يتكرم بهما الغالبون المسلمون على المغلوبين من أهل الكتاب الذين يرفضون الدخول في الإسلام.

هذا النظام يحدد العلاقة بين الطرفين على نحو يجعل الفريق الثاني أدنى من الفريق الأول حقوقا ً وواجبات، ويأخذه في ذمته وتحت حمايته وبشروط واضحة. ويحق للفريق الاول أن يخرج الفريق الثاني من ذمته وأن يرفع عنه حمايته إذا اقتنع بأن الفريق الثاني أخل بشروط الذمية. وتمتلىء صفحات التاريخ بمبررات وذرائع بهذا الصدد أدت إلى اضطهاد وتنكيل اتخذا غير شكل وأسلوب.

ولكي لا نذهب بعيدا ً في التاريخ ندعو إلى الإطلاع على النصوص الدستورية في بلاد الإسلام، اليوم، لتتضحلنا الصورة جلية عما يمكن أن يؤول اليه وضعنا يوم نخسر فيه استقلال لبنان وسيادتنا على أنفسنا، او يوم لا نشارك في الحكم مشاركة فعلية يمثلنا فيه مسيحيون مؤمنون بالخط المسيحي المجتمعي – السياسي. علما ً بأن النظام الذمي لا يسمح للمسيحيين بتولي السلطة او بالوصول إلى مراكز قرار." يا أيها الذين آمنو أطيعوا الله واطيعوا الرسول وأولي الامر منكم. فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. ذلك خير وأحسن تأويلا ً(النساء 59). " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض. ومن يتولهم منكم فإنه منهم. إن الله لا يهدي القوم الظالمين" (المائدة 51).

قد يرد بعضهم على ذلك بقولهم إن هذا الموقف ينظر إلى الحياة نظرة إستاتيكية، وهذا، بنظرهم، تأبيد لما حصل في مرحلة معينة من التاريخ، او عودة بالزمان إلى الوراء. يقولون: أين هي، اليوم، الذمية سواء تلك التي جاءت مبادئها في القرآن، او التي جسدتها بقيود إضافية وبنصوص واضحة الشروط العمرية؟ في اي بلد يفرض على المسيحيين لباس معين مميز؟ او اعتلاء مركب محدد؟ او اعطاء " الجزية عن يد وهم صاغرون " ( التوبة 29)؟

لهؤلاء أقول : كلامي على الذمية ليس محصورا ً في الأمور المفصلة في الشروط العمرية رغم أن كثيرا ً منها بقي ساري المفعول حتى انهيار الإمبراطورية العثمانية. ومنها ما زال قائما ً في بعض العالم الإسلامي. الشروط العمرية كانت تعبيرا ً عن الذمية في الزمان الذي وضعت فيه وبقيت سائدة. والتعبير يتغير بتغير الأزمان. والذي يبقى هو روح الذمية وجوهرها الباقيان بقاء الإسلام في وحدانية الدين والدنيا، على ما رأينا.

روح الذمية وجوهرها، في أيامنا الحاضرة، تعبر عنها ستة على الأقل :

1 – اللامساواة بين المسلم وغير المسلم .

 2 – إستحالة وصول غير المسلم إلى سدة الحكم، او أقله، إلى أحد مراكز القرار او القيادة الأساسية إلا في حالات يكون فيها للمسلمين مصلحة عليا " ما ". يقول الشيخ محمد حسين فضل الله :

 " إن الإسلام لا يرضى بأن يشاركه في مسألة القيادة، او حركة القرار المصيري او في الخط التشريعي، اي فكر آخر، كما لا يوافق على أن يضع الذين لا ينتمون اليه، بل ينتمون للفكر الآخر المضاد للإسلام او المنحرف عن خطوطه العامة او الخاصة، في المواقع الحيوية في القيادة او القرار او التشريع، لأن الدولة المرتكزة على أساس الإسلام، لايمكن أن تلغي الأساس الذي ترتكز عليه كقاعدة فكرية ثابتة في العمق الفكري لوجودها، كما لا يمكن أن تجعل السلطة بيد الذين يرفضون فكرها او ينحرفون عنه، لأن معنى ذلك هو إلغاء الإسلام نفسه، مما يعني عبثية الإنتماء وعدم جدية الحركية المنطلقة منه في خطه الطويل المستقيم" (38). ويضيف:" هناك سبيل آخر يمكن للأقليات الدينية وغير الدينية – من الفئات المضادة للدين – أن تتعايش مع المسلمين في داخل المجتمع الإسلامي، او في بلدانها الخاصة المستقلة، من خلال الدخول في المعاهدة او المهادنة او المعاقدة مع المسلمين حسب الشروط التي يتفقون عليها مع أولياء الأمر من المسلمين، تبعا ً للمصلحة الاسلامية العليا التي تفرض على المسلمين انهاء الحرب مع الآخرين او تجميدها، والدخول إلى مواقع السلام مع الشعوب الأخرى التي لا تدين بالإسلام، سواء كان السبب في ذلك قوة الكافرين في عددهم وعدتهم ومواقعهم السياسية او الاقتصادية، بحيث لا يملك المسلمون الدخول معهم في حرب متعادلة مما قد يدفع المسلمين إلى طلب الدخول في محادثات سلام او معاهدة معهم او إلى قبول ذلك إذا قدم الكافرون الطلب بمبادرة منهم، او كان السبب وجود مصلحة عليا للمسلمين للتعايش مع الآخرين ....." (38).

3 – أولية " الشرع " وأفضليته على اي من القوانين الوضعية مع ما ينتج من ذلك من ظلم بحق غير المسلمين .

4 – منع الخروج على رأي الأكثرية الإسلامية او مخالفة هذا الرأي من قبل غير المسلمين.

5 – منع غير المسلم من الزواج بمسلمة والقبول بزواج المسلم بكتابية .

6 – نظرة الإستعلاء على غير المسلمين وأسلوب التعامل معهم وطريقة تقييم سلوكهم وتصرفاتهم ومواقفهم على غير صعيد .

وهناك مسيحيون، من الإنتفاعيين والمصلحيين والوصوليين،" ذميون" في تصرفاتهم، "ممالئون"، "مسايرون" يعملون " عفوا ً" بشروط الذمية، ويزايدون على المسلمين في مواقفهم وتطلعاتهم الوطنية – السياسية حتى ولو لم يكونوا مقتنعين بها. وقد استغل السائرين في الخط الاسلامي، ايا ً كانت نيات هؤلاء ودوافعهم الحقيقية، من يحسن تعميق الشق في الصف المسيحي. فوضعوا المسيحيين الإستقلاليين والرافضين الذمية في خانة الطائفيين والإنعزاليين والتقسيميين والمتصهينين. وصنفوا السائرين في الخط الآخر في باب الوطنية والتقدمية والانفتاح والاعتدال .

فهذا أسقف " وطني "، بنظرهم، لانه لا يمل ليل نهار من الإفتخار بالإسلامية او بالعروبة وبالدعوة اليها. وذاك كاهن "منفتح"، بنظرهم، لأنه أخذ على عاتقه "تبشير"الشباب المسيحي بالقومية العربية او القومية السورية. وأولئك سياسيون ورجال قلم ورجال سيف "معتدلون"، بنظرهم، لأنهم "يسايرون"، من أجل مصالحهم الخاصة، على حساب الاستقلال والسيادة وحقوق مواطنيهم المسيحيين.

إن كل تساهل وتخاذل امام الهجمة الذمية، اي شكل اتخذت واي لباس ارتدت، وكل مساومة على حقوق الانسان في المجتمع المسيحي وعلى حق الاستقلال للدولة اللبنانية، سترتد علينا ويلات تطعن وجودنا وكرامتنا وتفضي بنا مع الوقت إلى أذلاء يستعطون بعض الحرية فلا يحصلون عليه .  

الفكرة السابعة

مجابهة الهجرة

كلام كثير جرى على هجرة اللبنانيين، قديما ً وحديثا ً. وبعضهم ارتقى بها إلى مرتبة الملحمة . فغنوا لها ورنموا. وجربوا، واهمين، أن يلاقوا فيها ارتباطا ً عضويا ً ب" طبيعة اللبناني ".

في حقيقة الأمر أن للهجرة، أساسا ً، سببا من إثنين، او السببين معا ً : الدافع الاقتصادي والدافع الأمني.

واللبنانيون، مثل غيرهم من الناس، يتساوون من حيث الدافع إلى الهجرة، الا انهم لا يتساوون من حيث نتائجها على الصعيدين الذاتي والوطني.

ففي مقارنة بين هجرة الشيعة وهجرة المسيحيين، مثلا ً، يلاحظ الشيخ محمد حسين فضل الله أن " الشيعة يرجعون مع أول فرصة ممكنة، بينما نجد أن هناك مشكلة لدى المسيحيين حيث إن هجراتهم أدت إلى تناقص أعدادهم في لبنان " (39).

ويفسر الشيخ فضل الله ذلك بقوله :"  المسيحيون في لبنان، يتحسسون لبنان في مسيحيتهم باعتبار أنه الأرض التي استطاعت المسيحية فيها أن تأخذ حريتها وعنوانها وامتيازاتها انطلاقا ً من مسألة الأقليات في المسألة الشرقية.وانطلاقا ً من صيغة الجغرافيا الجبلية للمنطقة التي يعيش فيها المسيحيون، مما كان يشكل حماية لهم من الآخرين، ويخلق عندهم حالة من العنفوان البطولي فيجري الحديث عن انتصارات ومناطق محصنة. لذلك كانت الأرض اللبنانية عند المسيحيين في اللاشعور هي أرض الحرية لا أرض الإنتماء الذاتي بالمعنى الذي يحس به الإنسان في الإنتماء. ولذلك فإنهم عندما حصلوا على الحرية في مناطق أخرى أكثر مما حصلوا عليه في لبنان، إستقروا في تلك المناطق وتجذروا فيها، ولولا بعض الحالات العاطفية جدا ً، لما بقيت لهم أية صلة بلبنان. "اما بالنسبة إلى المسلمين، فنشعر أن هناك انتماء إلى الأرض، أعمق من انتماء المسيحيين. وربما نستطيع الكلام هنا عن الخصوصية الشيعية في هذا المجال. لأن الشيعي في لبنان نتيجة التعقيدات المذهبية في المنطقة العربية، قد يحس بأن الأرض اللبنانية تمثل له الملاذ، لانه إذا خرج منها يضيع في العالم العربي. كما أن الغرب لا يمثل بالنسبة اليه أرض الحرية بسبب التنافر الديني وما يحيط به من خصوصيات. لذلك نلاحظ أن أغلب الهجرات الشيعية هو اغتراب لا يبتعد كثيرا ً عن الارض. بينما الإغتراب المسيحي هو اغتراب يبتعد عن الأرض، وربما تجد بعض دوائره الصغيرة في أميركا اللاتينية " (40).

وموضوع عامل الهجرة في تناقص أعداد المسيحيين في لبنان وتأثيره على اختلال التوازن الوطني فيه لاحظه غير مهتم بالشأن العام. فمنذ العام 1936 رأى محمد جميل بيهم أن من أسباب "عودة" لبنان في المستقبل القريب إلى الوحدة السورية أن " أحوال المسلمين الشخصية وإقبالهم على الزواج تكفلان لهم عما قريب أكثرية عددية، وكلما مر الزمن ازدادوا كثرة ولا سيما لأنهم أقل من سواهم ميلا ً إلى الهجرة" (41).

إن الهجرة، اذا ً، تجعل الميزان الديموغرافي في لبنان في غير مصلحة المسيحيين، مما يضعهم في خطر وجودي كبير، على عكس الميزان الديموغرافي الذي آل اليه الوضع في جبل لبنان في أواسط القرن التاسع عشر.

ويبدو أن هذه الحقيقة غير خافية عمن يعمل للإفادة من أحداث لبنان. ذلك أن أمورا ً "ما" تحصل وكأنها ترمي صراحة إلى دفع المسيحيين دفعا ً إلى اليأس من وطنهم فالى هجرة لبنان. إن من يسعى إلى فهم الخيط الرابط بين كل الأحداث المتوالية علينا ويستقرىء مناحيها ويرى نتائجها، يتوصل إلى نتيجة وهي أن الهدف الواضح البعيد المدى هو التخلص من الوجود المسيحي الحر الفاعل والعامل أبدا ً على أن يمسك مصيره بيده وعلى تثبيت حقوقه. فهل في هذا تأكيد وتنفيذ لقرار قيل إنه أتخذ في المؤتمر الإسلامي المنعقد في 22 – 24 – شباط 1974 في لاهور، الباكستان، يقضي ب" أسلمة لبنان قبل العام 2000 " ؟

إن النزيف البشري الذي يضرب مجتمعنا المسيحي كفيل بإضعافه حتى الزوال. الوضع مقلق والنتيجة بحجم الكارثة . فحذار ِ .  

الفكرة الثامنة  

تصحيح التوازن بين اللبنانيين  

نصف الشعب اللبناني، اي المجموعة الإسلامية والتي تنظر إلى ذاتها على أنها إسلامية عربية، يعتبر نفسه امتدادا ً للعالم العربي الإسلامي. انه، عضويا ً، منه. وهو، عضويا ً، يشمله. وقد عرفت الأنظمة العربية المختلفة كيف تثمر هذا الوضع لمصالحها ومواقفها الإيديولوجية والسياسية.

هذه الحقيقة لم يعها المسيحيون اللبنانيون في عمقها، ولم يفقهوا مقتضياتها. ولربما كان غياب هذا الوعي وراء اتهام المسيحيين المسلمين بالمواطنية اللبنانية "الناقصة" والمشكوك فيها. فانتشرت عبارة "اللبناني الصميم" لتدل على ذي الولاء اللبناني الصافي غير المربوط بأي ولاء خارجي وغير المشروط بسوى الإخلاص للدولة اللبنانية فحسب.

وأضيف إلى غياب هذا الوعي تمسك المسيحيين بالنظرة إلى "الدولة" والولاء لها على النمط الغربي. فكانت تثيرهم مواقف المسلمين الذين يبدون مواطني بلدان العالم العربي الإسلامي أكثر مما هم مواطنون لبنانيون. والمسلمون اللبنانيون يعلنون ارتباطهم بالعالم العربي الإسلامي ويتباهون به أكثر مما يتباهون بلبنانيتهم. لا بل يقدمون عروبتهم على لبنانيتهم. وذهبوا حتى إلى محاولة فرض العروبة على المسيحيين. وفي كل مرة كان التوتر يقوم بين المجموعتين كان المسلمون يطلبون من المسيحيين، أول ما يطلبون، إبرازا ً لشهادة حسن سلوك عروبية .

وقد بينت الأحداث أن التدخل الإسلامي المباشر والصريح بالشؤون اللبنانية – والذي يعتبره المسلمون في الداخل والخارج مشروعا ً وشرعيا ً – يأتي دوما ً عن طريق الدولة او الدول العربية الإسلامية (وايران، في العقد الأخير) الأكثر رجاحة في ميزان القوى العربي والمرتبطة بشكل او بآخر بميزان القوى الدولي. قد لا تكون الدولة او الدول هي نفسها دائما ً، إنما هناك دوما ً دولة او أكثر ذات تأثير أساسي في توجهات المسلمين اللبنانيين ومواقفهم. وسنوات الإستقرار او اللاإستقرار في لبنان كانت مرتبطة بها إلى حد كبير.

فلولا شكري القوتلي، رئيس جمهورية سوريا، ومصطفى النحاس باشا، رئيس وزراء مصر، في العام 1943، لما قبل المسلمون اللبنانيون الميثاق الوطني والصيغة.

ولولا موافقة الرئيس المصري جمال عبد الناصر في العام 1958 على وصول اللواء شهاب إلى رئاسة الجمهورية لما انتهت احداث 1958 على النحو الذي انتهت اليه.

ولولا الثقل الفلسطيني في السياسة الداخلية اللبنانية وثقل جمال عبد الناصر في السياستين العربية واللبنانية لما كان اتفاق القاهرة في العام 1969 .

ولولا التوازن العربي بأرجحية سورية في اتفاق الطائف وغض النظر الإيراني، وإن على مضض، لما وافق المسلمون اللبنانيون عليه. ذلك أنه دون ما يرمون اليه ويريدونه. ورغم مساوىء الطائف، من وجهة نظر المسيحيين، فقد اضطرت أكثرية القيادات المسيحية إلى القبول به او السكوت عنه. ولولا ذلك، ايضا ً، لما تمت "معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق " بين سوريا ولبنان بحماس إسلامي خارجي وداخلي عام.

هذا كله يوصلنا إلى الاقتناع بأن تدخل المسلمين، العرب وغير العرب، بطريقة او بأخرى، في الحياة السياسية اللبنانية – والمطلوب إسلاميا ً لبنانيا ً – أمر باق ما دام لبنان 1920 قائما ً في نظام وحدوي وفي سباق على التسلط على الحكم من قبل مجموعتيه. وكل محاولة للحؤول دونه مصيرها الفشل المحتوم .

هذا "التدخل"، سواء أكان نقضا ً للميثاق الوطني للعام 1943 أم لم يكنه، يستفرد المسيحيين اللبنانيين ويجعل ميزان القوى في غير مصلحتهم على نحو دائم. لذا، فان هذا التدخل في حاجة إلى موازنته بطريقة ما، من شأنها أن تمنع استفراد أحد أحدا ً وأن تقيم ميزان قوى لا ينتج عنه غالب ومغلوب وقاهر ومقهور.

ما نقصده ليس البتة النموذج الذي كان قائما ً في عهد الإنتداب الإفرنسي او ذلك الذي طرأفي مرحلة دخول إسرائيل إلى لبنان في عملية سلام الجليل. "تدخل" من هذا النوع لا يستجيب إلى المعيار الذي نريد، فضلا ً عن عواقبه على الإستقرار والسلام الداخليين، وعلى التعايش المسيحي – الإسلامي السلمي والتآلفي، وعلى الصداقة مع العالم الإسلامي العربي والتوافق معه .

تصحيح التوازن واستقامته يقوم، في نظري، على ركائز ثلاث معا ً : النظام الإتحادي والحياد الدولي الدائم وعلائق صداقة بأكبر عدد ممكن من الشعوب.

1 – النظام الإتحادي يحقق، على ما رأينا، العدالة والمساواة بين المجموعتين اللبنانيتين ويزيل أسباب الشعور بالخوف والغبن، مما يحد من ذرائع التدخل والدعوة إلى التدخل.

2 – الحياد الدولي الدائم يجرد بعض الأنظمة من منفذ تتوسله بغية التدخل، ويضع لبنان تحت جناح الشرعية الدولية.

 3 – علائق الصداقة المنظمة والمؤسسية بين المسيحيين اللبنانيين – طوائف وأحزابا ً وجمعيات – ومؤسسات ديموقراطية، سياسية، رسمية وأهلية، في العالم قاطبة، تشكل " جماعات ضاغطة " على الحكومات للموأزرة المعنوية والأدبية والمادية حين وحيث تدعو الحاجة. ويكون الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وسائر الشرعات العالمية منطلق هذه العلائق والصداقات ومعيارها ومرجعها .

إن التضامنية العالمية، وهي تتوثق كل يوم، وتتجسد في مواقف وقرارات دولية دقيقة، تأخذ أكثر فأكثر شكلا ً فعالا ً يحمي على نحو ملموس " حقوق الإنسان" من كل تعسف داخلي ام خارجي .

  الفكرة التاسعة  

فهم المعطى الجغراسي ( الجغرافي – السياسي )  

للجغرافيا أحكام .

لا أقصد، هنا، المناخ وموارد الارض الطبيعية، على أهميتها. أعني، بنوع خاص الموقع الجغرافي وطبيعة الأرض.

فالموقع الجغرافي وطبيعة الارض لمنطقة ما إما تسهلان لشعب هذه المنطقة تحقيق تصوره واما تعوقانه عنه. ولربما سببا له مآسي على ما جرى للشعب البولوني في تاريخه، او على ما يجري للشعب الكردي منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى. او لربما ساعداه على الاحتفاظ بحريته، على ما حصل لبلاد اليمن.

إن لبنان، المعبر بين القارات، دفع ويدفع دائما ً ضريبة قصوره عن التحكم بهذا الممر الهام، بالإضافة إلى أن موقعه بالنسبة للجوار القائم وضع الشعب المسيحي في محيط ينبغي التعامل معه بوعي والإجتهاد في مصادقته. وكل تصور مستقبلي ترسي عليه إرادة المسيحيين لا يأخذ هذا الأمر على أنه قاعدة أساسية في التفكير، تصور لا يكتب له النجاح. واذا نجح لأسباب استثنائية فلا يستمر.

أما طبيعة الارض الجبلية فقد لعبت دورا ً ولا أهم في تاريخ شعبه، إذ سمحت لهذا الشعب بالحفاظ على حريته وعلى قدرته على الصمود. ومن الراجح أن تستمر هذه المعطيات الطبيعية في تقديم إيجابيات كثيرة على هذا الصعيد على الرغم من التطور التقني الحاصل.

إننا جزء أصيل وعضوي في هذا الشرق. فلا نتصرفن، بوحي من تمايزنا الديني، وكأننا في جزيرة معزولة غير معنيين بجوارنا وبما يجري فيه. او كأن حدود لبنان سياجات عاليات يعجز الغزاة عن تسلقها. أوهام من هذا النوع غالية الثمن .

إننا جزء من هذا العالم المشرقي التوافق معه ضرورة مصيرية. وصداقته وتعاونه والتعاضد معه ركيزة في الإستقرار.

الفكرة العاشرة  

إعتماد مبدأ الحلول المرحلية  

لا يوجد حل نهائي، دائم، ثابت، جامد.

الحياة، في سيرها، في تطور وتغير مستمرين. الحياة تقدم كل يوم معطيات جديدة وقدرات جديدة، مما يفترض تصورات جديدة. إن ما يصلح اليوم قد لا يصلح غدا ً. وما يصلح غدا ً قد لا يصلح بعد غد .

لنأخذ تاريخ العالم وكل بقعة منه، ونستعرض ما حصل فيه وفيها، تتبين لنا هذه الدينامية التي لا تعرف قرارا ً .

والدينامية لا تطال شكل الدولة الدستوري ونظامها فحسب بل تطال حتى وجودها بالذات. وتطال حياة الشعب الإجتماعية. فلكل زمن تصوره. " مبدأنا أن نعالج، اليوم، قضايانا من المعطيات التي بين أيدينا، وأن نترك للاجيال المقبلة أن تعالج قضاياها انطلاقا ً من معطياتها التي تكون بين أيديها. فلا تجميد للتاريخ ولا احتكار له " (42).

 ولكن ما ينبغي أن يبقى ماثلا ً أمام أعيننا ووجداننا هو محتوى الدولة. هم الناس. الهدف هو المحتوى لا الحاوي.

خير الناس، خير كل إنسان من هؤلاء الناس، حريتهم وحرياتهم، تفتح شخصية كل منهم، تعميق القيم فيهم، تأكيد هويتهم ... الخ، هي الغاية المرتجاة. فما سار في خط هذه الغاية وجب ان نعمل له. وما خالفه وجب أن نعارضه .

ومن المفيد أن نذكر، بالمناسبة، خطأ الاعتقاد بخط تاريخي حتمي موجود سلفا ً، وكأنه القدر، في ضوئه نقرأ الماضي والحاضر ونتنبأ بالمستقبل. التاريخ ليس قاطرة على سكة تصاعدية مستقيمة وآحادية الإتجاه. على هذا فان مفهوم " الحل الأرقى" لا يكون بمسايرة القاطرة في اتجاهها. والحل " الأقل رقيا ً " لا يكون في السير في الاتجاه المعاكس. يكون الحل أكثر او أقل رقيا ً بحسب ما يقدمه للأنسان، شخصا ً وجماعة ومجتمعا ً، من ديموقراطية وحرية وعدالة ومساواة. وفي كل الأحوال، يبقى "الإعلان العالمي لحقوق الانسان " مع سائر الشرعات والنصوص المكملة له المعيار الموضوعي العالمي . فاليه نحتكم وبهديه نسير .  

الخاتمة  

رسالتي إلى المسيحيين أتمناها مساعدا لنا على اختيار الطريق الصحيح، وقاسما ً مشتركا ً يربط بعضنا ببعضنا الآخر، وجامعا ً يؤلبنا حول تصور جوهري واحد، تاركين التفاصيل والمسارات إلى الإجتهادات المختلفة والتقديرات المتعددة، من دون الوقوع في التفكك والتناقض والإنسياق كيفما مال الهوى .

إن ما نريده هو أن يبقى الوجود المسيحي في لبنان حرا ً وآمنا، بكل ما في هاتين اللفظتين من عمق وبعد، وأن نقيم النظام الذي يحافظ فيه كل من المسيحيين والمسلمين على هويتهم وثقافتهم وشخصيتهم والذي ينقل التعايش من حال التصادم إلى حال السلم، والتنافر إلى التآلف، ويعمق مفهوم التعايش بالإتفاق التام مع المحيط .

فهل يكون مطلبنا تعجيزا ً ؟

هنا أستعير من الدكتور شارل مالك، صاحب الرؤيا المسيحية، هذا التحذير الفائق الخطورة والبليغ في دقته وأختم به رسالتي. يقول الدكتور مالك :" لبنان مختبر مصغر لمشكلة الأقليات في الشرق الاوسط. اذا كان الحل الصحيح الوحيد لهذه المشكلة الخطيرة هو تطوير نظام تعيش في ظله الأديان الثلاثة على أساس الإحترام الحقيقي الصادق المتبادل، فعلى الأديان الثلاثة أن تبرهن في المختبر اللبناني المصغر أن هذا العيش السوي المشترك أمر بالفعل ممكن فيه. إذا تعذر هذا في لبنان، بمناخه السمح الحر الطلق، فكيف يمكن تحقيقه في سائر بلدان الشرق الأوسط وفي الشرق الأوسط ككل؟ بقاء لبنان بلدا ً مجتمعه حر منفتح تعددي شرط أساسي للبرهنة الموضوعية على إمكان التعايش السلمي إطلاقا ً بين الأديان الثلاثة على أساس المساواة والإحترام الحقيقين المتبادلين. والا انقطع اي رجاء من حل مشكلة الأقليات في الشرق الاوسط، وشاعت الفوضى والفتنة وعدم الإستقرار في ربوعه، واضطر المسيحيون إلى التفتيش عن منفذ آخر لضمان حريتهم وذاتيتهم وكرامتهم. بقاء لبنان حرا ً منفتحا ً تعدديا ً مِحك موضوعي معطى لمشكلة الأقليات في الشرق الاوسط ولإمكان حلها " (43) . 

المراجع :  

1-     زين زين – نشؤ القومية العربية، دار النهار – بيروت 1968، ص 83.

2-     كتب محيي الدين النصولي مقالا ً افتتاحيا ً في جريدته " بيروت " في 28 تموز 1936(ص1) ما يلي: " مما لا جرم فيه ان المسلمين لا يرضون عن الوحدة بديلا ً. هذه هي عقيدتهم لن تتبدل ولن تتحور ولو تبدلت الارض غير الارض والسماء غير السماء، فهم مطمئنون إلى هذه العقيدة مؤمنون بها ايمانا ً شديداً".

راجع ايضا ً : الاسلام والعروبة والوحدة: من كرامي إلى كرامي، ومن خالد إلى خالد – مجلة " الفكر الاسلامي" – العدد 2 – السنة 14 – شباط 1985 – ص6 – 17 .

3-     ميشيل عفلق – في سبيل البعث – دار الطليعة – بيروت 1963 – ط2 – ص55.

 4-     المرجع السابق – ص57.

5-     غالي شكري – المسيحيون والعروبة: من يدفع الثمن؟ - مجلة الناقد – العدد 15، ايلول 1989 ص14.

6-     من حوار سياسي وفكري مع المفكر اللبناني منح الصلح – مجلة "العالم" الصادرة في لندن – السبت في 17 تشرين الاول 1987 – السنة الرابعة – العدد 192.

7-     منح الصلح – اسلام الحاكم واسلام الجماهير – النهار العربي والدولي – الاثنين 29 كانون الثاني 1979-الصفحة الاخيرة.

8-     محمد على مكي - نقاط الارتكاز في تحديد الهوية اللبنانية – مطبوعة على الستانسل – تاريخ 5 – 5 – 1977 – ص6 – الفقرة 11.

9-     هو أمين سر الدولة في وزارة الخارجية الفرنسية في العام 1936. فقد أكد في رسالة له في 22-6-1936 إلى رئيس الجمهورية اميل اده ان فرنسا التي تتفاوض وسوريا على عقد معاهدة بينهما تضمن وحدة الاراضي لدولة لبنان في حدودها المعلنة في 31 آب 1920 (راجع جريدة "البشير"،25حزيران 1936).

10- سعادة – المحاضرات العشر – المحاضرة العاشرة – الطبعة الخامسة 1959، ص170.

11- المصدر السابق – ص 59-60.

12- المصدر السابق – ص 112 .

13- يدخل سعادة اليهودية في الاسلام حيث يقول: "ان الاسلام ليس مختصا ً بالمحمديين، بل شاملا ً أهل الكتاب من أيام ابراهيم. فالموسويون مسلمون والمسيحيون مسلمون لله والمحمديين مسلمون لله" – سعادة – الاسلام في رسالتيه – ط3 – 1958 – ص 199.

14- سعادة – مراحل المسألة الفلسطينية – ص110.

15- الوثائق الكاملة للمؤتمر الوطني الثاني للحزب الشيوعي اللبناني – نضال الحزب الشيوعي اللبناني من خلال وثائقه – 1 – 1988 – ص21 .

16- المصدر السابق – ص22 .

17- المصدر السابق – ص90 .

18- المصدر السابق – ص55 .

19- المصدر السابق – ص73 .

20- المصدر السابق – ص143 .

21- الوثيقة البرنامجية الفكرية – السياسية – التنظيمية تحضيرا ً للمؤتمر الوطني السادس للحزب الشيوعي اللبناني – مشروع للنقاش في الحزب – كانون الثاني 1991 – ص29.

22- المصدر السابق – ص29 .

23- المصدر السابق – ص51 .

24- فلسفة العقيدة الكتائبية، بيروت، 1966، و"الكتائب والعلمانية" – بيروت 1970 .

25- أنظر وثيقة حزب الكتلة الوطنية في 15-1-1984 التي " تؤكد على تحقيق علمنة الدولة".

26- الشيخ حسن خالد – المسلمون في لبنان والحرب الاهلية – دار الكندي – ط1 – 1978 ص395 .

27- المصدر السابق – ص414 .

28- جريدة " الانوار" البيروتية – 25 شباط 1976 .

29- مجلة "الهلال" – عدد خاص – ايار 1974 –ص31 .

30- غالي شكري – المسيحيون والعروبة : من يدفع الثمن ؟

31- مجلة "الناقد" شباط 1992 – العدد 44 – ص18 .

32- اوراق قومية – مذكرات الدكتور عبدالله سعادة – ط1 – بيروت 1987 – ص70 .

33- انطوان نجم – هوية الشعب وهويةالدولة في لبنان – ط2 – آفاق مشرقية (3) 1991 – ص7.

34- جهاد الزين – جريدة " السفير " – 26-4-1990 – ص11 .

35- الجريدة الرسمية – العدد 49 – تاريخ 6-12-1990 – ص613 .

36- جهاد الزين – جريدة "السفير"- الخميس 18-11-1982 .

37- دولة لبنان الاتحادية – او دولة المساواة والعدالة والتعايش التآلفي – انطوان نجم ولجنة من الباحثين – 1990 . (كتاب جاهز للطبع).

38- الشيخ محمد حسين فضل الله – تأملات اسلامية حول الاقليات – مجلة المنطلق العدد 80-81 . آب 1991، ص9-11 .

39- الشيخ محمد حسين فضل الله في مجلة " الناقد " – العدد 44 – شباط 1992-عمود 2 .

40- المرجع السابق – عمود 1-2 .

41- محمد جميل بيهم في أحد ردوده على مقالات رئيف ابي اللمع في جريدة "بيروت"، 5و11و15و16و18 ايلول 1936 - ص1 – ورد النص في : تاريخ حزب الكتائب اللبنانية الجزء الاول 1936 – 1940 – دار العمل للنشر – بيروت 1979 .

42- امين ناجي – لن نعيش ذميين – ط1 – 1979 – ص131 .

43- الدكتور شارل مالك – القضية اللبنانية – مجلة "الفصول"- العدد 2 – 1980 – 19

 

المقالات التي ننشرها تعبر عن آراء أصحابها ولا نتحمل مسؤولية مضمونها